ماهين شيخاني
لم يكن الأدبُ يوماً ترفاً فكرياً، ولا تدويناً لهوامشِ العيش. كان دائماً مرآةَ الهويّةِ الوجوديّةِ للشعوب، والملاذَ الأخيرَ الذي تُحفَظ فيه ذاكرةُ الأرضِ والأمّهات. وحين تنهضُ الأممُ من رمادِها، فإنّ أوّلَ ما تبحثُ عنه هو صوتُها المدفون، ولغتُها المُغيَّبة، وأولئك الذين حرسوا الكلمةَ في زمنِ الصمت.
في قلبِ التحوّلِ التاريخيِّ الذي تعيشُه بلادُنا، وفي مساعي بناءِ سوريا الجديدةِ القائمةِ على التعدديّةِ والمواطنةِ الكاملة، يبرزُ ملفُّ الحقوقِ الثقافيّةِ والماديّةِ للكتّابِ والأدباءِ الكوُردِ بوصفهِ واحداً من أعدلِ الملفّاتِ التي تستدعي المكاشفةَ والمأسسةَ والإنصاف.
لقد عاشَ الكاتبُ الكورديُّ السوريُّ لعقودٍ طويلةً مُغترباً في أوراقه، حاملاً عبءَ الكتابةِ بلغةٍ لم تكن تعترفُ بها الدوائرُ الرسميّةُ كجزءٍ من النسيجِ الثقافيِّ الوطني، أو مُجبَراً على صياغةِ إبداعهِ بلغةٍ ثانيةٍ ليعبرَ ممرّاتِ الانتسابِ النقابيِّ والاعترافِ المؤسساتي. ورغم هذا الإقصاءِ البيروقراطيِّ والتاريخي، ظلَّ القلمُ الكورديُّ سوريَّ الانتماء، عميقَ الجذور، يسكبُ حبرَهُ عشقاً في الجزيرةِ السوريّة وكوباني وعفرين، وحاراتِ حلب، وأزقّةِ دمشق.
منّةٌ أم حق؟
اليوم، ومع صدورِ القراراتِ التي تُعيدُ الاعتبارَ للهويّةِ الكورديّة، وتمنحُ اللغاتِ الأصيلة والمحليّةَ مكانتَها الوطنيّةَ المستحقّة، لم يعد مقبولاً أن تبقى الحقوقُ النقابيّةُ حبراً على ورق، أو محكومةً بنصوصٍ قديمةٍ تجاوزها العصرُ والوعي.
فطالما هناك اعترافٌ رسميٌّ باللغةِ والثقافةِ الكورديّة، فمن حقِّ الكاتبِ الكورديِّ أن يكونَ كأخيهِ العربيِّ في الحقوقِ والواجبات، لا أقلَّ ولا أكثر. إنّ المطالبةَ بمنحِ الكاتبِ والأديبِ الكورديِّ في سوريا حقوقاً تقاعديّةً ومزايا تكافليّةً كاملة، غيرَ مشروطةٍ بوعاءٍ لغويٍّ دون آخر، هي قضيّةُ حقٍّ إنسانيٍّ وقانونيٍّ بحت. ليست منّةً من أحد، ولا هبةً تُمنح.
وهنا لا بدَّ من وقفةِ صدقٍ مع الذاكرة. لقد حُرِمَ الكثيرُ من الأدباءِ والكتّابِ الكُردِ من هذه الحقوقِ طيلةَ سنواتِ العنصريّةِ والتهميش، وبالأخصِّ أولئك الذين لم يكونوا منتسبين إلى الحزبِ البعث. كان الانتسابُ الحزبيُّ شرطاً خفياً للاعترافِ النقابي، وبطاقةَ عبورٍ إلى صناديقِ التقاعدِ والتكافل. ومن لم يحملْ تلك البطاقة، كان مصيرهُ النسيانَ والإقصاء، مهما كان عطاؤه الأدبيُّ غزيراً، ومهما كانت جذورهُ في هذه الأرضِ عميقة.
وأنا، كاتبُ هذه السطور، واحدٌ من أولئك الذين حُرِموا. لم أكن يوماً عضواً في الحزبِ البعث، ولم أسعَ يوماً إلى عضويّةٍ لم أؤمن بها. ولهذا، عشتُ على هامشِ المؤسسةِ الثقافيّةِ الرسميّة، أُنتِجُ وأكتبُ وأُبدِع، بينما كنتُ محروماً من أبسطِ حقوقِ الزملاءِ الذين حملوا البطاقةَ الحزبيّة. لم أطلبْ يوماً أكثر من كرامتي، ولم أسعَ إلى أكثر من الاعترافِ بأنّني كاتبٌ سوريٌّ، مثلي مثلُ أيِّ كاتبٍ آخر، لا ينقصني إلا أن أُولدَ في الجهةِ التي أرادها الآخرون.
وأنا اليوم عضوٌ في أوّلِ اتحادٍ للكتّابِ الكورد، تأسّسَ في عام 2005. هذا الاتحادُ لم يُنشَأْ من فراغ، بل وُلدَ من رحمِ الحرمانِ الطويل، ومن إصرارِ كتّابٍ لم يجدوا في مؤسساتِ الدولةِ مكاناً يحتويهم. لقد أنشأناهُ بأنفسِنا، بجهدِنا، وبإيمانِنا بأنّ الكلمةَ الكورديّةَ تستحقُّ أن يكونَ لها بيتٌ يجمعُها، ومنبرٌ يسمعُها، وصندوقٌ يحمي شيخوخةَ من أفنوا أعمارَهم في خدمتِها.
ولأنّه ليس لنا دولةٌ تحمينا، ظلّت حقوقُنا مهضومة. بينما حقوقُ غيرِنا محفوظةٌ في دواوينِ الدولة، ومُدرَجةٌ في موازناتِها، ومصونةٌ بقوانينِها، كنّا نحن نكتبُ بلغةٍ لا تعترفُ بها المؤسسة، ونتقاعدُ بلا راتب، ونمرضُ بلا تأمين، ونموتُ بلا رثاءٍ رسمي. ليس لنا دولةٌ تحملُ اسمَنا، ولا سفارةٌ تدافعُ عنّا، ولا وزارةٌ تُدرِجُنا في حساباتِها. ولهذا، كنّا دائماً في آخرِ الطابور، ننتظرُ حقاً لا يأتي، واعترافاً لا يتحقق، وكرامةً تُمنحُ لغيرِنا بلا سؤال.
والعدالةُ الاجتماعيّةُ والثقافيّةُ تقتضي أمرين:
أوّلاً: تطويرُ البنيةِ التشريعيّةِ والتنظيميّةِ للمؤسساتِ الثقافيّةِ الرسميّة، وفي مقدّمتها اتحادُ الكتابِ العرب، بحيث تُقبَلُ النتاجاتُ الأدبيّةُ والفكريّةُ المكتوبةُ باللغةِ الكورديّةِ كمعيارٍ أصيلٍ للانتساب، ونيلِ كاملِ المزايا وصناديقِ التقاعدِ والتكافل، دونَ شروطٍ حزبيّةٍ أو لغويّةٍ مُسبقة.
ثانياً: تسويةُ الأوضاعِ الإداريّةِ بأثرٍ رجعيٍّ لجميعِ الأدباءِ والكتّابِ الكُوردِ الذين حُرِموا تاريخياً من حقِّ المواطنةِ والجنسيّة، أو أُقصوا بسببِ قيودِ الانتسابِ الحزبيّةِ واللغويّةِ القديمة، لضمانِ شيخوخةٍ كريمةٍ تليقُ بمن أفنوا أعمارَهم في خدمةِ الثقافةِ والفكر.
ثالثاً: الاعترافُ الرسميُّ بالاتحادِ الكورديِّ للكتّابِ بوصفهِ مؤسسةً ثقافيّةً سوريّةً أصيلة، ومنحُ أعضائِه الحقوقَ النقابيّةَ ذاتَها التي يتمتعُ بها أعضاءُ اتحادِ الكتابِ العرب، دونَ تمييزٍ أو إقصاء. فالاتحادُ الكورديُّ ليس غريباً عن سوريا، بل هو ابنٌ شرعيٌّ من أبنائِها، وُلدَ من رحمِ المعاناةِ والحرمان، ويستحقُّ أن يكونَ جزءاً من النسيجِ المؤسساتيِّ الوطني.
المحبرةُ الوطنيةُ الواحدة
إنّ سوريا الجديدةَ لن تكتملَ ملامحُها، ولن يستقيمَ ميزانُ عدالتِها، إلا إذا أدركنا جميعاً أنّ غنى هذا الوطنِ يكمنُ في تنوّعِه، وأنّ الحبرَ الكورديَّ والحبرَ العربيَّ نابعانِ من المحبرةِ الوطنيّةِ ذاتها.
إنّ كرامةَ الأديبِ الماديّةَ والمعنويّةَ هي الحصنُ الأخلاقيُّ الذي يحمي المجتمعَ من الانكسار. وحمايةُ قلمِ الكاتبِ الكورديِّ، وضمانُ أمانِه المعيشيِّ والتقاعدي، هو أوّلُ الخطواتِ نحو مستقبلٍ سوريٍّ جامع، حرٍّ، ومتصالحٍ مع ذاته وتاريخه.
فلا سوريا جديدةَ بلا كتّابِها جميعاً. ولا مواطنةَ كاملةَ بلا كرامةٍ كاملة. ولا كرامةَ بلا عدالةٍ في الحقوق، وفي اللغة، وفي الذاكرة.
ولا يمكنُ لسوريا أن تُصلِحَ ماضيها، دونَ أن تُنصِفَ أولئك الذين دفعوا ثمنَ الرفضِ والانتماءِ إلى الكلمةِ وحدها. ومن لا دولةَ له، لا يحميهِ إلا ضميرُ وطنٍ يتذكّرُ أبناءَه جميعاً، بلا استثناء.
13/10/2026
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






