د. جوتيار تمر
لا تقاس أزمات الحكم بما تصدره الحكومات من بيانات، ولا بما تعرضه وسائل الإعلام من مشاريع وإنجازات، بل بما يعيشه المواطن في تفاصيل يومه، وبما تتركه السياسات العامة من أثر في معيشته وثقته بالمؤسسات. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة أزمة إقليم كوردستان من زاوية الخلاف مع بغداد وحده، فثمة مسؤوليات اتحادية، وثمة مسؤوليات تتحملها أربيل، ولا يجوز أن تتحول الخلافات بين الطرفين إلى مبرر دائم لتعليق حقوق المواطنين أو تأجيل معالجة أزماتهم.
ولا تبدأ الأزمة عند الرواتب والأسعار والوقود فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الحياة السياسية نفسها، وإلى الطريقة التي تتعامل بها القوى المتنافسة مع تشكيل الحكومة وإدارة السلطة. فمنذ انتخابات أكتوبر 2024، ظل تشكيل الحكومة العاشرة في إقليم كوردستان متعثرا، فيما تتبادل القوى السياسية الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعطيل المفاوضات. يعلن كل طرف استعداده للحوار، ويؤكد أن الطرف الآخر هو الذي يعرقل الوصول إلى اتفاق، بينما يبقى المواطن أمام مشهد سياسي لا يفضي إلى حسم واضح.
وفي قلب هذا التعثر، تبرز الخلافات حول تقاسم السلطة، والمناصب العليا، والوزارات السيادية، وحصة كل طرف من مراكز القرار؛ إن الخلاف على التمثيل السياسي وتوزيع المسؤوليات أمر مألوف في الأنظمة التعددية، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح المفاوضات أسيرة التنافس على المواقع والنفوذ، بدلا من أن تكون وسيلة للاتفاق على برنامج حكم واضح، فالمواطن لا ينتظر تشكيل الحكومة لمعرفة عدد الوزارات التي سيحصل عليها كل حزب، بل ينتظر سلطة قادرة على إدارة المال العام، وحسم الملفات العالقة، وتحسين الخدمات، ووضع حد لحالة عدم اليقين التي تثقل حياته.
وإذا كانت الأطراف تؤكد استعدادها للتفاوض، فمن حق الناس أن يعرفوا ما الذي يمنع الاتفاق، وما القضايا التي ما زالت عالقة، ولماذا تتحول المناصب السيادية والوزارات إلى نقاط خلاف يصعب تجاوزها، إن تكرار إعلان النيات لا يكفي، كما أن تبادل الاتهامات لا يعفي أي طرف من مسؤوليته، فالمعيار ليس من ينجح إعلاميا في تحميل خصمه مسؤولية التعطيل، بل من يقدم تنازلات ممكنة، ويعلن مواقفه بوضوح، ويضع مصلحة المؤسسات والمواطنين فوق حسابات الحصص الحزبية.
ولا تقتصر خطورة هذا التعثر على تأخر تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى الثقة بالنظام السياسي نفسه، فعندما يرى المواطن أن القوى السياسية تواصل التفاوض حول مواقع السلطة، بينما لا تحسم خلافاتها بالسرعة التي تتطلبها المصلحة العامة، يصبح من حقه أن يسأل، هل يجري التنافس من أجل بناء حكومة فاعلة، أم من أجل ضمان النفوذ داخلها؟ لا يمكن الجزم بدوافع كل طرف من دون أدلة، لكن استمرار التعطيل يجعل هذا السؤال مشروعا، ويضع القوى السياسية أمام مسؤولية تقديم إجابة عملية لا دعائية.
وبالنسبة إلى المواطن الكوردي، لم تكن الأزمة المالية مجرد أرقام في الموازنة أو خلافات بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية، بل تجربة معيشية امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد ظهرت في راتب يتأخر، وفي أسرة تضطر إلى إعادة ترتيب نفقاتها، وفي دخل تتراجع قدرته على مواجهة تكاليف الحياة. ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتزايد الضرائب والرسوم، أصبحت إدارة شؤون البيت أكثر صعوبة، ولا سيما حين لا يتناسب الدخل مع الأعباء المتراكمة.
وتضيف أزمات الوقود بعدا آخر إلى هذه المعاناة، فطوابير البنزين ليست مجرد مشهد يتكرر في الشوارع، بل ساعات تضيع من حياة الناس، وأعمال تتعطل، والتزامات تتأخر، وأعباء يتحملها المواطن في سبيل الحصول على مادة أساسية. وحين تتكرر هذه الأزمات من دون معالجة مستدامة أو تفسير مقنع، يصبح من حق الناس مساءلة الجهات المسؤولة عن التوزيع والرقابة والإدارة، فاعتياد المجتمع على الطوابير لا يجعلها أمرا طبيعيا، كما أن قدرة المواطن على التحمل لا تعفي المؤسسات من واجبها.
هذه التفاصيل هي المعيار الذي يقيس به الناس أداء حكومتهم، فالمشاريع والخطط المعلنة لا تعوض غياب الاستقرار المعيشي، ولا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بانتظام الرواتب، وعدالة الضرائب، وتوافر الوقود، والقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية. وحين تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، تتحول المشكلة من أزمة خدمات ومال إلى أزمة ثقة بالحكم نفسه.
وتكشف قضية الرواتب المدخرة ومستحقات الكهرباء عن جانب مهم من هذه الأزمة. فعندما واجهت حكومة نيجيرفان بارزاني أزمة قطع الموازنة، اتبعت سياسة صرف جزء من الرواتب واعتبار الباقي مدخرا وفق النظام المعلن آنذاك. وأصبحت تلك المستحقات جزءا من معاناة الموظفين وذاكرتهم، لا مجرد ملف مالي انتهى بانتهاء الحكومة التي اعتمدت تلك السياسة.
وعندما تسلمت حكومة مسرور بارزاني السلطة، وهي صادرة عن القوة السياسية نفسها التي قادت الحكومة السابقة، أعلنت أنها لن تسمح بتفويت راتب خلال فترة حكمها، فيما ظل مصير المستحقات المتراكمة من المرحلة السابقة بحاجة إلى حسم وتوضيح. ثم عادت الحكومة لتطالب المواطنين بتسديد مستحقات الكهرباء العائدة إلى فترة سابقة. وهنا يبرز سؤال مشروع، كيف تستمر المطالبة بحقوق الدولة المالية عبر تعاقب الحكومات، بينما تظل حقوق الموظفين المتراكمة موضع خلاف أو غموض؟.
لا يعني ذلك أن مستحقات الكهرباء والرواتب المدخرة متطابقة قانونيا أو محاسبيا، فلكل منهما طبيعته وأساسه. لكن اختلاف طبيعتهما لا يلغي واجب الحكومة في تقديم تفسير واضح، فمن حق المواطن أن يعرف الأساس الذي تستند إليه مطالبته بالدفع، ومن حق الموظف أن يعرف مصير مستحقاته والقرارات المتخذة بشأنها. والمطلوب ليس الخلط بين الالتزامات، بل إخضاعها لمعايير معلنة تضمن الوضوح والاتساق والمساءلة.
وفي هذا السياق، لا يجوز أن يتحول الخلاف بين أربيل وبغداد إلى وسيلة لتبادل المسؤولية على حساب المواطن. فمسؤولية الحكومة الاتحادية تتحدد بقراراتها والتزاماتها تجاه الإقليم، ومسؤولية حكومة الإقليم تتحدد بما تتخذه من قرارات في إدارة موارده وشؤونه المالية والخدمية. ولا يعني ذلك أن المسؤوليتين متساويتان في كل ملف، بل إن تحديد حجم كل منهما يتطلب النظر في الوقائع والقرارات والالتزامات ذات الصلة.
لكن ما لا يجوز هو أن يصبح تحميل الطرف الآخر المسؤولية بديلا عن مراجعة الأداء الذاتي، فالمواطن لا يستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية حتى تحسم الحكومتان خلافاتهما، ولا ينبغي أن يدفع ثمن غياب الاتفاق السياسي من راتبه وقدرته الشرائية واستقرار حياته اليومية. إن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين تقدم كل جهة حسابا واضحا عن قراراتها، وتعترف بما يقع ضمن صلاحياتها، وتضع حلولا قابلة للتنفيذ بدلا من الاكتفاء بالتبرير.
وما نعيشه اليوم سيصبح غدا جزءا من تاريخ الإقليم، وإذا اكتفينا بتسجيل التصريحات الرسمية وتبادل الاتهامات، فسوف نترك للأجيال القادمة صورة ناقصة عن هذه المرحلة. ينبغي أن نوثق الوعود والقرارات، ومسار تشكيل الحكومة، وأسباب تعثر المفاوضات كما تعلنها الأطراف، والنتائج التي ترتبت على سياساتها، وأثر الأزمات المالية والخدمية في حياة الناس. كما ينبغي التمييز بين الوقائع المثبتة، والتصريحات الحزبية، والاستنتاجات التي تحتاج إلى أدلة.
فالتأريخ النزيه لا يقوم على التملق أو الانتقام السياسي، ولا يبرئ طرفا بسبب قربه منا أو يدين آخر لمجرد الخصومة معه، بل يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، من دون أن يساوي اعتباطا بين مسؤوليات تختلف باختلاف القرارات والصلاحيات والوقائع. وواجب الكاتب ألا يكتفي بوصف ما تقوله السلطة عن نفسها، بل أن يسأل عما فعلته، وما أنجزته، وما أخفقت فيه، وما تحمله المواطن نتيجة قراراتها.
إن شرعية الحكم لا تختبر في الخطابات وحدها، بل في قدرة المؤسسات على توفير الاستقرار المعيشي، وإدارة الموارد بشفافية، وحماية الحقوق، وتقديم إجابات واضحة حين تتراكم الأزمات. كما أن شرعية العمل السياسي لا تقاس باستعداد الأطراف المعلن للتفاوض، بل بقدرتها على تجاوز خلافاتها وتشكيل حكومة تتحمل مسؤولياتها أمام المجتمع.
إن مسؤولية بغداد عن قراراتها لا تسقط مسؤولية أربيل عن قراراتها، كما أن الخلاف على تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعليق مصالح المواطنين. ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف هذه المرحلة بوقائعها وأعبائها وتناقضاتها، بعيدا عن البهرجة الإعلامية وتبريرات السلطة، فحفظ معاناة المواطن ليس استثمارا في الألم، بل دفاع عن حق المجتمع في الذاكرة والمساءلة، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





