جوان عبدال
قسم بعض المهمتين التراث الشعبي إلى أقسام محددة العدد ليسهل تعريفه وتصنيفه ودراسته، ويمكننا القول: التراث الشعبي ثقافة بفرعيه المعرفي الشفوي، والمادي العملي، ويمكن ترتيبه وفق الآتي:
1-المعرفي الشفوي (اللامادي): ويشمل المعارف والمعتقدات والأدب وعلوم الكلام.
2-العملي المادي: ويضم العادات والتقاليد والفنون المادية ـ الحرف والمهن.
وقد ذكر الكاتب محمود مفلح البكر ذلك بتفصيل قلّ نظيره في كتابه الآنف الذكر “البحث الميداني في التراث الشعبي”، فأورد فصلاً كاملاً عن تقسيمات مهمة في تفرعات تلك البنود، وعرض الآراء بسرد مركز، وببحث وافٍ في علوم التراث الشعبي.
لماذا التراث الشعبي الشفاهي؟
هنا نشير إلى ناحية هامة (ثمة تسميات أخرى مرادفة: فهناك عدا التراث الشعبي، ويقال: المأثورات الشعبية، والميراث الشعبي، وبكلمة جامعة أو بمصطلح أجنبي يقال: الفلكلور).
في القرن قبل الماضي وما تلاه، وبعد أن ترسخَ مفهوم الدولة والدولة القطرية المحددة بحدود دولية، التفتت هذه الدولة من دون قوميتها إلى البحث عن مقومات لوجودها، لمقومات مترابطة لكيانها، فبعد القول بوحدة الأرض والجغرافيا، ووحدة اللغة واللهجة بات البحث عن الثقافة التي تجمع بينها، فكان خير معين هو البحث في التراث الشعبي والموروث الماضي عن الآثار المعنوية والآثار المادية، لترسخ مفهوماً وطنياً تتركن على مقومات ثابتة لوجودها، ولتكوين هوية وخصوصية وطنية، وهذا البحث المحموم ساد كل العالم، ولا يحصر قولنا في مكان واحد.
لا يمكن بحال إغفال دور الثورة الصناعية السلبي من ناحية التأثير على التراث، والتي غيرت الحالة الاجتماعية والاقتصادية في ذات النفسية واستعمالاتها، التي كان عمادها الحرف والمهن اليدوية (ونذكر المصنوعات والمشغولات اليدوية الإفرادية والجماعية) ناهيك عن النواحي الأخرى، أكان ذلك من خلال المدارس وتعاليمها الجديدة والأفكار والمنظومات الوافدة باسم التقدم والتطور، أو التأثيرات الأخرى من خلال التواصل الاقتصادي والتجاري وانفتاح العصر بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وتشكل مفهوم الدول والاستقلال من الاستعمار وانهيار الإمبراطوريات وتشكل الوعي القومي.. والتي تزامنت مع بعضها.
المهم من هنا بدأ البحث والتنقيب لجمع الموروث الشعبي الشفاهي، وتعقب آثار ومخلفات الماضي المعنوية والمادية المتمثلة في كافة مجالاته، وتدوينه حفاظاً له من الضياع على الرغم من ضياع الكثير مع مرور الزمن، وما كان يعتبره البعض سقط متاع من مراحل التخلف والجهل –حسب تعبير بعض الفئات الاجتماعية- وبدا التدوين وبذلت محاولات في شتى الاتجاهات لجمع ما خلفه السلف، وما كان من هذه البيئة والمكان الموسوم بأوصافه، ليكوّن لبنة أساسية في بناء صرح الوطن وتوطيد أركان مستقبله.
نعم، تم الجهد الميداني للملمة التراث الثقافي والمادي بعد هجمة الحداثة المتمثلة بالتقنية والصناعات، التي طغت فأدت إلى الاستغناء عن أدوات الماضي، كما أدت إلى التأثير على القديم إجمالاً وتحجيمه وحجبه إلى حد الاندثار، وبدأت تلك الخطوة من الغيارى على خصوصية الماضي لعدة أسباب:
أولاً: كعمل إنساني يحفظ التجربة الإنسانية الاجتماعية كتراث أصيل من الضياع.
ثانياً: كنهضة وطنية لإحياء تراث الماضي المهجور ما أمكن ذلك كخاصية شرقية، والذي يتماشى مع روح العصر من دون تعارض.
وإذ نقول التراث فنحن نقصد الثقافة المجتمعية المتمثلة بالقيم والعادات وما خلفته في اللغة واللهجة، من أمثال وحكم، وأغانٍ وحكايات، وأفكار ونهفات، وأحاجٍ وحزازير، ومعتقدات وتصورات إلخ، ندعو للحفاظ عليه نمطاً للحياة كما وصلنا، فهو أمانة وسنوصله إلى أولادنا وأحفادنا، فإن لم نحافظ عليه، فإن التدخلات قد حصلت منذ أمد من الزيف المتحضر وقدمت السم في الدسم، لأن هذا التراث يعد مرآة لتاريخ الناس، الذين عاشوا ضمنه وأوجدته الحاجة فصار من مقومات حياتهم وعملهم، وبالتالي بات ـالتراث- يعكس فكرهم وتطوره جنباً إلى جنب، فهو مرآة للزمن، مرآة للبيئة، هو سيرة حياة الجزء والكل منذ الأمس وإلى الآن والغد؛ لأنه بات يعد أساساً من بنيوية الحياة للشعوب وواجهتها، ويعد مرآة للنشاط الإنساني بكل مكوناته من المعارف والقيم، من العادات والتقاليد اليومية، من الحرف والمهن، الذي تأتى منذ مئات السنين وقد نهجته تلك الفئة أو غيرها نمطاً للحياة، فتمثلت حياتها حين نظمت بها حاجاتها الآنية.
وبكلمات موجزة، يذكر الكاتب محمود مفلح البكر في كتابه “البحث الميداني في التراث الشعبي” سرداً عن نشأة علم التراث الشعبي وبدايات جمعه وتوثيقه، وعرضاً تاريخياً لمسيرته، بأنه لم تكن كلمة (فلكلور) معروفة قبل شهر آب في العام 1846، إلا حين أرسل “وليم جون تومز” مقالة إلى صحيفة (المجمع الأدبي العلمي – The Athenaeum) تضمن فيها ذلك المصطلح، وهو مشتق من كلمتين سكسونيتين قديمتين تعنيان “معارف الشعب أو ثقافة الشعب”، وكان سبق ذلك مصطلح (فولكسندة) أعوام 1806ـ 1808، والتي تعني (دراسة الثقافة الشعبية الجرمانية)، وباختلاف طفيف في وجهات النظر بهذا التعريف.
ويقول عن بدايات ـ الجمع والتوثيق – أن المؤرخ الروماني “تاسيوس” أول من ذكر في مخطوطة عادات وتقاليد الجرمان وأشاد بفضيلة الحياة الشعبية لديهم، وكما يقول الكاتب البكر حرفياً: (وتكمن أهمية الكتاب في أنه وجه اهتمام الألمان إلى أهمية التراث الشعبي وعلاقة هذا التراث بالتاريخ القديم)، إلى أن أصبحت هذه التوجيهات تحكم مسيرة الدراسات التراثية لاحقاً، فانبرى كثيرون للاهتمام بالتراث الشعبي في مختلف مجالاته، وراح كل شعب أو مجموعة يجمع ما خلفه أسلافه ليتعرف على نشاطاتهم وطرائق معيشتهم وإبراز شخصيتهم، وما صنعوا وما أبدعوا، للعيش مع هذا الحي المتجدد منهم واليهم، عبر مسيرة اكتشاف الذات وسبر أغوارها وترسيخها للمستقبل، والأخص في المنطقة الاسكندنافية الشمالية مثل السويد وفنلندا، مما حدا بإعادة الاعتبار لفئات الشعب من خلال تقييم تراثه وتاريخه، وبسبب تعاظم الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر -بما أحدثته من تغييرات اقتصادية واجتماعية واستجداد حالات غير مسبوقة- والخوف على ضياع أو إهمال التراث بما فيه من مشغولات وصناعات ومنتجات يدوية أو التلاشي مع ضجيج الآلات المتزايد، أدى ذلك إلى تعاظم دور المهتمين به لما يقومون به من حفظ المرويات الشفوية، والمعتقدات، والعادات، والحرف والمهن اليدوية الخ..
ويذكر البكر: فضْل الأخوين (جريم) في هذا المضمار، اللذين كتبا كثيراً في الموضوع بتوثيق واجتهاد قلً نظيره، وذكر أيضاً؛ (هردر) الذي كان له تأثير على الأخوين جريم وسبقهما بأفكاره وأعماله، وذكر -في كتابه الآنف الذكر – فضل ملك السويد غوستاف الثاني حين أوعز بجمع التراث وتدوين المعلومات عن العادات والتقاليد، والأدوات التقليدية، وطباع الناس وأساليب معيشتهم، كما ذكر الكاتب: الرواد الفنلنديين؛ إلياس لونروث وكارل كرون، والإنكليزي؛ توماس بيرس، وذكر من العرب الرواد الأوائل: أيوب أبلا، توفيق كنعان، يوسف خنشت إلخ.
الأغاني الشعبية الشفاهية
في زحمة الحياة وسيرها إلى الأمام والبحث عن المختلف والجديد والمبتكر، تستجد أشياء جديدة وتود أن تأخذ مكان القديم، أي أن الأغراض والأشياء المستعملة منذ مئات السنين تُبعد عن الاستعمال وتُركن جانباً ويتم تجاهلها حد الإلغاء، لذا تحتم علينا -على الأقل- وفاءً لدورها فيما مضى -دور تلك الأغراض والأشياء المستعملة منذ مئات السنين- أن نتذكرها وذلك لتدوين ما يدون، وجمع ما يتم جمعه في المتاحف والأمكنة الخاصة بها، حتى تذكرنا بما كانت عليه حياة أجدادنا وأسلافنا.
(ويمكن رصد علاقة الأغاني ضمنياً بطبيعة البيئة وربطها عضوياً بها، ضمن الأبعاد ذاتها مع خلفياتها الاجتماعية والممارسات المماثلة حين تتشاركان في المعرفي الشفوي والمادي العملي).
يعد التراث لوحة صادقة لأنها تصور الأحوال الاجتماعية والنفسية والثقافية التي كانت سائدة والتي كان يحياها الناس في القديم، وهي صورة من صور التعبير الإنساني الاجتماعي يحاكي قصة الإنسان وعصور التاريخ التي مرت على حياته الفكرية والنفسية، والتي صاغتها في ظروف أيام وليالي تجاربهم وخبراتهم وتأملاتهم.
فالتراث الشعبي الذي ينقسم إلى شعبتين. الأولى مادية: كالحرف والفنون، والأخرى اللامادية: شفاهية، هو الحد الثابت أو شبه الثابت الذي لا تؤدي فيه التغيرات البنيوية في كيفية صيرورته وتبدله إلى كيفية جديدة أخرى، فيصبح الشيء شيئاً آخراً، بديلاً عن جملة مفاهيم المجتمع الروحية والمادية التي تقارن بـ “الحضارة” أو تعادل “الثقافة”.
ولرصد ذلك فمن البديهيات أن يوجد ذلك القسم الشفهي بكثرة وبشكل عفوي في الأغنية وهي حالة لازمة للإنسان؛ فجمع الفلكلور الغنائي وتدوينه وتنويطه، ليس عملاً اعتباطياً، عملاً لمجرد العمل، إنما هو إحياء لمقولة خلودها في أفئدة الناس كحاجة لا بد منها فهي لا تقل شاناً كما يقول الجبقجي: “عن جمع الآثار القديمة وحسن رعايتها في المتاحف”. ويضيف ويقول: “ونحن حين نبحث في موضوع الفلكلور السوري لابد لنا من الرجوع خطوات إلى الماضي البعيد، ففي أوج الحضارة العربية -وكانت سوريا جزءاً من بلاد الشام- كانت الموسيقا والغناء متلازمين جنباً إلى جنب مع رقي الحضارة العربية” أي القسم الأول كالحرف اليدوية والفنون.
يقول الجبقجي ذلك في مقدمة كتابه “الفلكلور العربي والقدود الحلبية” ويضيف: “وخلود هذه الأغاني في أفئدة الناس حتى اليوم لا يعود بالواقع إلى منزلتها التاريخية فحسب بل يعود إلى بساطتها وروعة ألحانها ونبض الحياة الذي يتدفق فيها”.
لذا امتهن بعض الناس هذه المهنة للتكسب، فتجاهلت اجتماعياً ورُكنت جانباً، وفُصلت عن محيطها العام، بل ونُبذت لممارستها هذه المهنة، الذين هموا بعناد وتبنوا من دون إعارة الأذن للنبذ أي اهتمام أو توجس، وبفضل هذا العناد وهذه الروح حافظوا على بعض إرثنا الغنائي الموسيقي وآلاته. وهكذا نشأت طبقة أخرى متزمتة تسمو بذاتها وتحط من حولها، على الرغم من الإعجاب والإكبار بفنون الآخرين ضمنياً واشتهاء لعملهم وحسدهم على ما هم فيه من صفاء وبساطة.
والشعر الغنائي يقول عن القلب والعشق، يقول عن الحب في قلوب الفتية والعذارى، بأنهم عبر فطرتهم وبراءتهم واكتشافهم العفوي لهذه الانفعالات العاطفية يؤججون ويهتاجون، إنهم أشبه بالورد والفاكهة، فلماذا لا يتم التشبيه بهم في القول، وهذا أوفى التشبيهات وأقربها. لذا؛ نرى كلمات التشابيه مثل: فتح وزهر، مثل تفاحة مثل ليمونة، مثل حلوة وحامضة ومرة، وتلك ألفاظ تأتي في سياق جميل ودود بكثرة في الحديث اليومي، نجد تلك الأشياء تأتي كمفردات ومعانٍ وكنايات واستعارات فتدخل على المفردة اليومية في الحديث وتطبعها تلك الأشياء في الحياة العامة، لطيفة ظريفة شهية بهية، فبإيرادها يرطب الجو وتصفو النية، فقيل الحديث ملافظ و”الملافظ فيها سعد”.. كما يقال.
وكي يحافظ المجتمع على سياقه، فالغناء والموسيقا ليس وليدتا اليوم والبارحة؛ لا، إنهما حاجة إنسانية امتدت لقرون وقرون ولم تحجما أو تحجرا إلا مؤخراً بسبب من الأسباب، وهو تعاليم وتفاسير المتزمتين الخاطئة، التي التزمت السائد.
فحينما كانت تنعقد حفلات وأمسيات الأفراح والأعراس، ويُسمع صوت الطبل والزمر من بعيد، كان الناس يقولون هذا صوت “منكر”، مع أنهم كانوا يستمعون ويطربون لذلك، ثم كانوا يقولون إن هؤلاء سيصلون نار جهنم أبداً وهو مأوى لهم ولأمثالهم. وهكذا كانت طراطيش الكلام المُرّ تخرم الأذهان وتذهب بما يستمتع به، لا بل كان المُر يستمر أمداً فيها إهانة وتصغير وذنوب وتأنيب ضمير كمن أثم، ومع مرور الوقت تغير الموقف والحال.
صحيفة روناهي
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86124
مقالات قد تهمك











