فؤاد عثمان / صحفي وناشط في مجال الإبادة الجماعية
وفقًا للمعايير الدولية، فقد نُفذت عمليات الإبادة الجماعية بحق البارزانيين أكثر من ثلاث مرات:
الترحيل والتهجير القسري.
النفي وفرض الحياة القاسية بعيدًا عن أرض آبائهم، والحرمان من العودة إليها.
منع التكاثر والإنجاب وقطع النسل.
القتل الجماعي المتعمد والمبرمج.
يستذكر شعب كوردستان ذكرى جريمة أخرى من جرائم النظام البائد، التي سُجلت بدماء هذا الشعب المسالم والمحب للسلام في صفحات التاريخ، وهي ذكرى إبادة البارزانيين. حيث تمر علينا الذكرى السنوية الثالثة والأربعون لإبادة البارزانيين. ففي 31/7/1983 أقدم النظام الدموي على جريمة بشعة أضافها إلى جرائمه الدموية، وذلك في إطار سلسلة جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردي. ففي صباح ذلك اليوم طوق النظام البعثي المجمعات القسرية في أطراف أربيل، وألقى القبض على رجال وشباب يافعين من البارزانيين، حيث سبق أن تم إسكانهم، بعد هدم قراهم سنة 1979 وترحيلهم ونفيهم، إن صح التعبير، إلى الجنوب، ثم إعادتهم سنة 1980 مرة أخرى وإسكانهم في المجمعات في مناطق حرير وبحركة وثلاثة مجمعات في قوشتبة، وذلك كخطوة أولى ضمن خطة للإبادة الجماعية. وبعد مرور شهر من أنفلتهم تم قتلهم أحياءً ورميهم جميعًا بالرصاص في صحارى محافظة المثنى، ودُفنوا في قبور جماعية.
بهذه المناسبة الحزينة ننحني إجلالًا لأرواح الشهداء، ونعزي أنفسنا وأهالي الضحايا وذويهم.
عندما نتحدث عن جريمة الإبادة الجماعية وفق المعايير الدولية، نرى أنه نُفذت عمليات الإبادة الجماعية بحق البارزانيين أكثر من مرة. فالترحيل والتهجير والنفي والقتل الجماعي ودفنهم أحياءً، كل ذلك تتوفر فيه عناصر الإبادة الجماعية وفقًا لنظام روما الأساسي والاتفاقيات الدولية الخاصة بالإبادة الجماعية.
جرت عملية الإبادة الجماعية للبارزانيين أولًا بترحيلهم عن موطنهم الأصلي بحجة أمن الحدود، ثم جرى نفيهم إلى محافظة الديوانية وحرمانهم من العيش على أرض آبائهم وأجدادهم، حيث ترعرعوا فيها، قبل إسكانهم قسرًا في ظروف قاسية لا يُحسدون عليها. وبعد أقل من سنوات أُعيدوا إلى كوردستان، لكن تم إسكانهم قسرًا في مجمعات في أطراف أربيل المذكورة آنفًا، ثم جرى ما جرى في 31/7/1983.
كما أن هدم القرى، وحرق البساتين والمزارع، ونهب المصادر الاقتصادية والثروات الخاصة بالقرويين من المراعي والمواشي، يشكل جانبًا آخر من سلسلة أساليب تُعد جرائم ضد الإنسانية.
وفقًا للمعايير الدولية، فإن منع التكاثر والإنجاب من الأساليب التي تُعد إبادة جماعية، وهذا ما تعرض له البارزانيون، حيث تم اعتقال الشباب والرجال وفصلهم عن النساء والأطفال، ثم قُتل الشباب والرجال بعد نقلهم إلى الجنوب، مع إبقاء النسوة والأطفال في ظروف معيشية قاسية قلما يتحملها الإنسان في المجمعات القسرية.
بعد اعتقال الشباب والشيوخ في المجمعات القسرية، اقتاد النظام أكثر من 8000 بارزاني إلى مصير مجهول، ثم قتلهم بدم بارد وهم أحياء، ودفنهم في مقابر جماعية بصحراء محافظة السماوة، وأصبحوا في عداد المؤنفلين، ولم يُعرف عنهم شيء، وأصبحوا مجهولي المصير إلى حين كشف أول مقبرة جماعية بعد سقوط النظام.
وبعد سقوط النظام وتشكيل الحكومة الفدرالية، تمت متابعة والتنقيب عن مصير البارزانيين، وعن طريق لجنة خاصة تم العثور على جثامين عدد منهم، واستمر التنقيب ومتابعة هذا الملف، وتم العثور على عدة مقابر في موقع البوصية، حيث أُعيد 606 ضحايا من البارزانيين على ثلاث مراحل:
في 17/10/2005 تمت إعادة 503 رفات كمرحلة أولى، ثم أُعيد 93 من المتوفين إلى مثواهم في بارزان، ودُفنوا في مراسم جنائزية مهيبة.
وفي 6/3/2014 أُعيد 93 مؤنفلًا بارزانيًا، حيث تم العثور على جثامينهم في منطقة بوصية بمحافظة السماوة.
وفي عام 2022 أُعيد 100 من ضحايا البارزانيين إلى مثواهم في منطقة بارزان.
لو أمعنا النظر في الجرائم التي نفذها النظام البعثي ضد البارزانيين، لرأينا أن جميع هذه الجرائم تحتوي على عناصر الإبادة الجماعية وفقًا للاتفاقيات الدولية ونظام روما الأساسي.
فالترحيل والتهجير القسري، ومنعهم من العيش على أرض آبائهم وأجدادهم، وحرمانهم من طبيعة مناطقهم الخلابة، ونفيهم إلى مناطق في جنوب العراق، وإجبارهم على العيش في ظروف قاسية، وحرمانهم من أجواء موطنهم، ومنع الإنجاب بفصل الرجال عن النساء، وإبادة الرجال وقتلهم جماعيًا ومحوهم من الوجود، كل ذلك يندرج ضمن عناصر الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية المدونة في الاتفاقيات الدولية.
بعد إبادة ذكور البارزانيين، زادت صعوبة ومشقة حياة نساء وأطفال البارزانيين، وعانوا الأمرين، حيث وضعت الأمهات ذوات العباءات السود الشامخات عبء الحياة على أكتافهن، وأصبحن الأم والأب لأبنائهن في آن واحد، وربين أطفالهن في ظروف مأساوية سيئة للغاية، وواجهن مصاعب الحياة والأقدار برؤوس مرفوعة وإرادة فولاذية، فأصبحن آباءً لأولادهن من جهة، يكسبن لهم لقمة العيش بكدهن وعملهن، ومن جهة أخرى ربين أولادهن بروح كوردية عالية. ولا بد في هذه المناسبة أن نثمن دورهن، ونضع على صدورهن أوسمة الشهامة والفخر.
هنا لا بد أن نشير إلى الدور الإنساني لأهالي مدينة أربيل، حيث إنه، ومع جبروت النظام وشدة تعامله مع من يمد يد المساعدة والعون للبارزانيين، لم يبالِ أهالي أربيل بالخوف وتهديدات النظام، وفتحوا أحضانهم وأبواب ديارهم للنسوة اللاتي لم يبقَ لهن من يعتني بهن وبأطفالهن، وساندوهن في تخفيف معاناتهن بعد فقدان أولادهن.
كما اضطر العديد من الأطفال البارزانيين إلى ترك الدراسة بسبب الخوف وتدهور حياتهم العائلية، وعاشت النسوة والرجال الكهول القليلون الذين نجوا من تلك الحملة الظالمة في خوف مستمر وترقب دائم. واستمر هذا الوضع المؤلم الذي حل بشعب كوردستان وبالبارزانيين في ظل سلطة النظام العراقي حتى انتفاضة عام 1991.
وبعد تشكيل المحكمة الجنائية العراقية العليا، كانت جريمة إبادة البارزانيين من بين الملفات التي حسمتها هذه المحكمة، ووصفتها بأنها إبادة جماعية، وأكدت أن إبادة البارزانيين تُعد إبادة جماعية بكل المعايير الدولية. لذلك أصدرت المحكمة العليا، في 5/4/2011، قرارها باعتبار إبادة البارزانيين إبادة جماعية. واستنادًا إلى بنود قرار المحكمة، يجب تعويض ضحايا هذه المجزرة والمجازر التي وصفتها المحكمة بأنها إبادة جماعية، ومنها الأنفال، والقصف الكيمياوي، وإبادة الكورد الفيليين، والترحيل القسري لبشدر وسيد صادق، تعويضًا عادلًا، وتنفيذ ما يترتب عليها من التزامات في المحاكم المدنية العراقية. وباعتبارها وريثًا للحكومة العراقية البائدة، فإن على الحكومة العراقية، وكتعويض معنوي، أن تطلب العفو من الشعب الكوردي عن الجرائم التي نُفذت ضده.
في هذه المناسبة، على الجهات العراقية، والمتمثلة بمؤسسة الشهداء (دائرة المقابر الجماعية)، والمكلفة وفقًا للقانون رقم (5) لسنة 2006 المعدل، العمل من أجل العثور على المزيد من المقابر الجماعية، وتعقب مصير ضحايا أنفال البارزانيين، والبدء بالحملة الوطنية لإجراء فحص DNA وأخذ نماذج الدم لذوي المؤنفلين والبارزانيين. كما يجب على الجهات ذات العلاقة العمل من أجل بناء قاعدة بيانات تُسجل فيها معلومات وافية عن الضحايا، بما فيها نتائج فحص الدم والحامض النووي لذوي الضحايا.
ولا بد من تكثيف الجهود من أجل تحسين الأوضاع المعيشية لذوي البارزانيين المؤنفلين وفقًا لبنود المادة (132)، وتعويض الضحايا استنادًا إلى قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا بشأن اعتبار جريمة إبادة البارزانيين إبادة جماعية.
أخيرًا، خير ما نجزي به أرواح شهدائنا أن نتكاتف، ونجمع كل قوانا بكل ألوانها من أجل تحقيق أهداف الشهداء، ونضع خلافاتنا جانبًا، وإخراج الإقليم من هذا الجمود السياسي، ونجعل الحوار والمصالحة الهدف الأسمى، ونقدر إرادة شعبنا وحقوقه في المواطنة، وتحسين الوضع المعيشي لذوي الشهداء، وتحقيق حقوقهم.
مرة أخرى ننحني إجلالًا لدماء الأكرمين منا وأرواحهم الطاهرة.






