في هذا الشرق البائس؛ هل سيأكلنا الذئب؟

تكبير الصورة

أحمد الرمح
كلنا قرأ سورة يوسف بالقرآن الكريم؛ وفيها يأتي كلام على لسان إخوة يوسف لا يستقيم مع الوصف. إذ بعد أن تآمروا على يوسف؛ وألقوه في الجب؛ عادوا لأبيهم بكذبة؛ استخدموا فيها مصطلحاً جنائياً إذ قالوا:
(قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
ما إن قالوا هذه الجملة؛ حتى عرف يعقوب بأنهم كَذَبَة؛ وقد فعلوا بأخيهم شراً. وتلكم فطنة الأنبياء.
ولكن كيف كشفهم؟
الذئب من الوحوش، والوحوش تفترس؛ ولا تأكل، والافتراس من فَرَسَ أي دقَّ عنقَ الفريسة. وكأنها تذبحها كذبح البشر. والوحوش من عادتها أنْ تأكل بعضاً من الفريسة، وتترك الباقي. أما الذي يأكل فهو الإنسان. نقول: أكل الطعام. أي لم يبق منه شيئاً. وأكل من الطعام؛ أي أكل بعضَه لا كلَه.
فلماذا قال أخوة يوسف أكله الذئب؟ ولم يقولوا افترسه؟
لو قال إخوة يوسف: افترسه الذئب. لطالبهم يعقوب ببقايا يوسف التي لم يأكلها الذئب، فهم أبناء بادية؛ ويعرفون سلوك الوحوش. ولكنهم استخدموا مصطلح أكله؛ حتى يقطعوا على أبيهم الطريق؛ فلا يطالبهم ببقايا يوسف، إلا أنّ يعقوب كان مدركاً لجريمتهم بدليل قوله:
(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)
ما الحكمة من قصة يوسف؟
الحكمة تقول لكل أب ولكل حاكم وذي سلطان:
• احذر أن تفرق بين أبنائك وشعبك؛ فتزرع بينهم الكراهية بدلاً من الحب.
• وتقول لإخوة الوطن: احذروا من الحسد والحقد والانتقام؛ لأنه قد يوصلكم لارتكاب موبقة كبيرة، فتنالوا غضبَ الله.
• واعلموا كأبناء بلد بأنّ الطائفية نارٌ ستحرق الجميع؛ والسلوكَ الطائفي سيدمر بلادنا؛ ويدخلنا عاجلاً أم آجلاً حرباً أهلية؛ لا تُبقي ولا تذر.
• وبالطائفية تغدو أخوَّتُكم الوطنية قاتلة كأخوّة هابيل وقابيل؛ وتكرهون بعضكم بعضاً؛ كإخوة يوسف. فالمحبة والتسامح أقل تكلفة وثمناً إنسانياً ووطنياً من الكراهية والطائفية.
ولأننا في بلادنا على بعضنا كإخوة يوسف؛ لا كيوسف؛ أصبح في كل بلد هناك ذئب متربص بنا ليأكلنا؛ ففي فلسطين ذئب؛ وكذلك في اليمن والسودان والعراق وسوريا؛ وما يحدث بتلك البلاد؛ يشبه ما حدث من قبلُ مع إخوةِ يوسف؛ وكما حدث بين قابيل وهابيل.
فمتى تفيقوا يا مضحكة العالم؛ فيقوا قبل أن يأكلَنا جميعاً الذئبُ؟

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top