محمد صالح إبراهيم
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
قال لي جدي …
عندما كنتُ في العشرين من عمري بدأت عائلتي بحصد محصولهم السنوي في قرية إيلجاق بريف كوباني الغربي. قبل انطلاق الموسم كان الجميع يحرص على تدبير أدوات الحصاد آنذاك، فالمنجل أو الشرشرة يتم سنّ أسنانهما، بحيث تصبح حادة وتساعد في حصد كمية أكبر من المحصول بأقل جهد، كان يتم تجهيز الحبال الليف المصنوعة من النخيل، والتي يتم لف حزم المحصول الشعير والقمح بها، ولا يزال يتم استخدام هذه الحبال في الريف حتى الآن. بدأ الحصاد في القرية حيثُ كنا نحصد في يوم واحد قرابة دونمين من القمح أو الشعير كان غداءنا عبارة عن شوربة برغل مع لبن أو بصل أو عيش برغل مع خبز الساج القروي الشهي
وبعدها بيوم يتم نقل حزم المحصول من الحقل إلى كوم كبير يطلق عليه «البيدر» الذي يخزن فيه المحصول في جزء مخصص في طرف الغربي جنب تل القرية. وبعد أسبوع تبدأ عملية الدرّس حيثُ هناك النورج اليدوي «جنجرة» الذي كان يستخدم في فصل الحبوب عن السنابل في عملية الدرّس قبل أن تتم إحالته إلى المعاش واستبداله بأدوات الحصاد الحديثة مثل الدرّاسة أو الحصادة، كان النورج يدخل السرور على قلوب الأطفال، حيثُ كانوا يقفزون على خشبتيه اللتين كانتا تجرهما بقرة أو بقرتان وتسيران على أعواد المحصول لفصل الحبة عن السنبلة، وبعدها يتم الفرز المحصول عن القش عن طريق عرضها للهواء وينتج عن ذلك مكونات الثلاث: القمح أو الشعير، التبن وهو غذاء الحيوانات، والقَصْوَل، وهو الجزء الخشن من التبن، ويستخدم في اذكاء نار التنور، لإنتاج الخبز القروي الشهي.
وعدتني أمي بعد أن يتم الانتهاء من الموسم بخير وسلامة سوف تعطيني مقدار كيساً مليئاً من الشعير مكافأة على جهودي المبذولة طوال فترة العمل، وكانت فرحتي لا توصف في تلك اللحظات حيثُ ذهاب إلى مدينة جرابلس* وشراء كل ما أحتاجه.
انتهى الموسم بخير وسلامة وأخذتُ حصتي من القمح حيثُ وعدتني أمي بها. وفي الصباح الباكر استيقظتُ من النوم وكان لدينا حمار أبيض اللون ووضعت الكيس من الشعير على ظهره وانطلقت نحو مدينة جرابلس وعبرتُ نهر الفرات بواسطة زورق أو قارب. كان عمل الزورق هو نقل بين ضفتي النهر قبل بناء الجسور، ووصلت إلى سوق الخانات في المدينة وبعت كامل الكيس بمبلغ قدره 5 ليرات سورية، واشتريتُ بهذا المبلغ الكثير من الملابس والأكل وهم قفطان جبلي وسروال داخلي أبيض اللون وجلابية قصيرة تلبس لفوق الركبة لونها أبيض وتاسومة حمرا، أي حذاء كان يصنع من جلد الجمل. وجرابات زرقاء اللون كما كان يتم ربط الجوارب بالأشرطة فوق الركبة، قبل اختراع الماكينة الخاصة بخياطة المطا، ودورتُ في مدينة طيلة النهار، والعصريات عدتُ إلى قريتي وفرحتي لا توصف …
——–
*أغلب سكان القرى الغربية لمدينة كوباني كانوا يذهبون للتسوق في مدينة جرابلس، وليس كوباني كونها أقرب إليهم وكانت بوابة حدودية هناك، حيث كان مسكن لأغلب التجار.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86824
مقالات قد تهمك











