شهين علي
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
كان أبو هيلين الرجل الذي طالما افتخر بأنه يكنى باسم ابنته وأصر أن يعرف بهذا الاسم: بافي هيلين، هيلين التي ولدت بعد سنوات طويلة من الانتظار، كانت لها خصوصية عاطفية مهمة في العائلة، فالجميع يحبها.
كبرت هيلين في جو محب وعاطفي لم يكن يخلو من الوطنية، وحب القضية التي لطالما خشي والدها من أن تضيع على يد الجيل الجديد. فوالدها أحد الرموز المهمة، التي حملت عبء القضية الكردية. وظل يدفع طوال حياته ثمن هذا النضال الصعب.
تربت هيلين على يد مناضل، وكبرت في بيت مناضل صلب وأخلاقي. كانت هيلين تجد أحياناً بعض العنصرية في حيثيات التعامل مع التلاميذ الكورد في المدارس. لم تكن تلك العنصرية تتوضح بطريقة مباشرة، لكنها كانت تأتي من تعامل الأساتذة والإداريين وأحياناً من بعض زملائهم. وأكثر من أثر فيها عندما قام أستاذ مادة القومية بصفع جومرد أحد زملاء الصف العاشر فقط لأنه تحدث باللغة الكوردية. لم تتمالك نفسها واعترضت على ما حصل وقالت: يا استاذ العفو منك بس جومرد ما حكى شي.
فرد الأستاذ: كلي هوا ولي حيوانة، اسكتي أحسن ما حولك ع التحقيق.
صمتت هيلين لأن هذا الأستاذ كان معروفاً بأنه مخبر، ومن أشرس ممثلي البعث في السلك التربوي… حتى أصبح نائباً لمدير التربية لاحقاً.
بقيت هيلين أسيرة الحزن وهي تشاهد ما يحصل … والمواقف التي لا تنتهي… الأسى والحزن لا ينتهيان. فحتى عيد نوروز ممنوع، والخوف يتمالك كل من يشارك في هذا العيد…
وعند اندلاع الانتفاضة السورية كانت هيلين أول المشاركات في المظاهرات. تعرضت أسرتها لتهديد مباشر من الاستخبارات. فما كان امام أهلها سوى الانتقال إلى القرية.
لكن أعاصير الرعب لم تثني هيلين، الأبنة الوحيدة والمحبوبة من أن تخاطر بنفسها، وتختار طريقاً وعراً، يصعب تصديقه، عندما قررت الانضمام إلى وحدات حماية المرأة، المعروفة بين الأهالي ب Y.P.J
شكل التحاقها صدمة كبيرة لأبيها ولأمها، ولكل محبيها ممن تفاجئوا بجرأتها. وكان هناك اشاعات، وأحاديث جانبية من أنها هربت مع شاب أحبته…
كانت هيلين مثقفة ثقافة الرفض، ومتمردة منذ طفولتها، لذلك لم تعاني كثيراً في التعليم النظري. لكن حمل السلاح والقتال شكلا لها في البدء مشكلة وحالة ذعر. بعد فترة قصيرة نال وضعها الاستحسان، وإعجاب قادتها الذين اهتموا بتدريبها. حملت هيلين روح المقاومة وحاربت بشراسة في أكثر من جبهة مشتعلة، وحققت مع المئات من زميلاتها الفتيات انتصارات كبيرة. حتى وصول شبح الرايات السود إلى مدينتها كوباني. كوباني التي لم تفارق ذاكرتها طوال فترة غيابها عن المدينة. كان روحها وقلبها تشتعلان شوقاً لها، وكانت تقول لرفيقاتها: لو اضطرت سوف تهرب من هنا، وسوف تقاتل ضد هؤلاء الوحوش قبل أن يحتلوا مدينتها الحبيبة. وكانت تكرر: قبل أن يفتكوا بعين كوردستان كما كانت تحب أن تسمي مدينتها.
القدر والأحداث كانت لها رأي آخر، فالمعارك احتدت أكثر وكانت فرقتها هي المهاجمة الأولى ضد تنظيم داعش الإرهابي.
لم تطول تلك المعركة ولم يطل انتظار هيلين بأن ترى بعينيها انتصار مدينتها، انتصار كوباني على الوحشية والهمجية.
وكانت سعيدة بأنها سوف تزور أهلها حتى لو رأتهم لمدة نصف ساعة. لقد مضى على انضمامها لجبهات القتال عامين.
مشت مع صديقتيها أفين وروشين في شوارع المدينة المحررة. كانت ما تزال تكرر: ستبقى كوباني وإن ذهبنا بعيداً…
اشتدت المعارك وهجمات المفخخات… كان المشهد مؤلماً. غير قابل للتخيل. أشلاء في الشوارع…
استشهدت هيلين وصديقاتها تحت الرصاص والهجمات الوحشية.
لكن بقي اسمها وبقيت كوباني… بقي روح المقاومة في المدينة التي لا تموت.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86823
مقالات قد تهمك











