كري سبي.. جراح التهجير الكورد وحق العودة

تكبير الصورة

رمزي ميركاني

عادت مدينة كري سبي، إلى واجهة الأحداث في (غرب كوردستان) شمال سوريا، بعد الاعتداءات التي استهدفت عائلات كوردية مهجّرة حاولت العودة إلى منازلها وقراها في المنطقة. ولم تقتصر خطورة ما جرى على إحراق السيارات والاعتداء على المدنيين، بل أعادت الأحداث فتح ملف التهجير وحقوق الملكية، وطرحت تساؤلات بشأن مسؤولية الحكومة السورية والجهات الإدارية والأمنية عن حماية العائدين وضمان سلامتهم.
تقع كري سبي في ريف الرقة الشمالي، قرب الحدود السورية التركية، وتكتسب أهمية استراتيجية بسبب موقعها الحدودي. وشهدت المدينة تحولاً كبيراً في تشرين الأول/أكتوبر 2019، عندما سيطرت القوات التركية وفصائل من الجيش الوطني السوري عليها ضمن عملية «نبع السلام»، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، بينهم عائلات كوردية اضطرت إلى ترك منازلها وأراضيها وممتلكاتها.
اعتداءات على العائدين
في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تعرضت عائلات كوردية عائدة إلى كري سبي وريفها لاعتداءات شملت الضرب والتهديد وتحطيم السيارات وإحراق عدد منها، وفق تقارير إعلامية وشهادات من المنطقة. وكانت العائلات قد توجهت إلى المدينة لاستكمال إجراءات العودة واستعادة ممتلكاتها بعد سنوات من التهجير.
وبحسب روايات نقلتها وسائل إعلام، جاءت عودة هذه العائلات بالتنسيق مع إدارة منطقة كري سبي والجهات المعنية، فيما أفادت مصادر محلية بأن نحو 100 عائلة، بينها نساء وأطفال، اضطرت إلى الاحتماء داخل مبنى مديرية المنطقة بعد تصاعد الاعتداءات.
وتحدثت تقارير عن اعتراض بعض الأشخاص على عودة العائلات، بذريعة الاشتباه بارتباط أصحاب المنازل والأراضي بقوات سوريا الديمقراطية. لكن مثل هذه الاتهامات لا تبرر الاعتداء على المدنيين أو مصادرة حقوقهم، كما لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة من دون أدلة وإجراءات قانونية.
وتدخلت قوى الأمن الداخلي لإجلاء العائلات وتأمين خروجها من المنطقة، فيما تحركت قوات من الأمن العام من مدينة الرقة لاحتواء التوتر. وغادرت العائلات التي كانت عالقة داخل مبنى الإدارة، وسط مطالبات بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المتورطين في الاعتداءات.
من يتحمل المسؤولية؟
تضع الأحداث الحكومة السورية أمام مسؤولية حماية المواطنين وضمان حقوقهم، فيما تتحمل محافظة الرقة وإدارة منطقة كري سبي مسؤولية متابعة إجراءات العودة والتنسيق بشأنها، والتأكد من توفير الظروف اللازمة لحماية العائلات التي تتوجه إلى مناطقها الأصلية.
أما قوى الأمن الداخلي والأمن العام، فتقع على عاتقهما مسؤولية حفظ الأمن وحماية المدنيين ومنع الاعتداءات، كلٌّ ضمن صلاحياته. ويجب أن يشمل التحقيق الأشخاص الذين نفذوا الاعتداءات، وكذلك أي تقصير إداري أو أمني يثبت أنه أسهم في تعريض العائلات للخطر. ولا تعني هذه المسؤوليات الإدارية والأمنية افتراض تورط أي جهة في الاعتداءات قبل ظهور نتائج التحقيق.
وامتدت تداعيات الحادثة إلى خارج كري سبي، حيث شهدت الحسكة وكوباني تحركات احتجاجية تضامناً مع العائلات المتضررة. ويثير ذلك مخاوف من اتساع التوتر بين المكونات العربية والكوردية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى معالجة آثار الحرب والتهجير، لا إلى مزيد من الانقسام.
العودة حق وليست منّة
تكشف أحداث كري سبي أن عودة المهجّرين لا يمكن أن تقتصر على السماح لهم بالوصول إلى مناطقهم، بل تحتاج إلى ضمانات أمنية وقانونية، وآليات واضحة لاستعادة المنازل والأراضي، وتسوية النزاعات على الملكية بعيداً عن التهديد والقوة.
كما أن الحكومة السورية مطالبة باتخاذ خطوات عملية، تبدأ بمحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، ولا تنتهي عند تأمين عودة العائلات التي اضطرت إلى المغادرة. وينبغي أن تشمل هذه الخطوات حماية الممتلكات، ومنع الانتقام الجماعي، وضمان عدم التمييز بين المواطنين على أساس انتمائهم القومي أو الاشتباه بمواقفهم السياسية.
في النهاية، ليست قضية كري سبي مجرد حادثة أمنية عابرة، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية مواطنيها واستعادة الثقة بين السكان. فالاستقرار لا يتحقق بفرض الأمر الواقع، وإنما بتطبيق القانون وإعادة الحقوق إلى أصحابها. من حق كل مهجّر أن يعود إلى بيته آمناً، ومن واجب الدولة أن تحمي هذا الحق. وحين يخاف الإنسان من العودة إلى منزله بعد سنوات من الغياب، تصبح معالجة جراح التهجير ضرورة لا تحتمل التأجيل.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top