دانية الشماس
أزمة تتكرر كل صيف
مع كل ارتفاع في درجات الحرارة، يعود ملف الكهرباء في العراق إلى الواجهة من جديد. ساعات تجهيز متذبذبة، أحمال كهربائية متزايدة، ومواطنون يضطرون إلى اللجوء للمولدات الأهلية لتوفير أبسط احتياجاتهم اليومية.
المفارقة تبدو واضحة: بلد يمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لكنه ما زال يعاني من أزمة مزمنة في توفير الكهرباء.
فلماذا لم تتحول الثروة النفطية إلى طاقة كهربائية مستقرة؟
من أين تبدأ المشكلة؟
أزمة الكهرباء في العراق ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة. فالحرب والدمار، وقدم البنية التحتية، والنمو السكاني، وارتفاع الطلب على الطاقة، كلها عوامل ساهمت في اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
ومع مرور السنوات، أُنشئت محطات ومشاريع جديدة، إلا أن المشكلة لم تنتهِ، لأن إنتاج الكهرباء وحده لا يكفي.
فالكهرباء تحتاج إلى توليد ونقل وتوزيع ووقود وشبكات قادرة على استيعاب الأحمال.
عندما يصبح المولد جزءاً من الحياة
في كثير من المناطق العراقية، أصبح المولد الأهلي جزءاً ثابتاً من حياة المواطن.
فعندما تنقطع الكهرباء الوطنية، تبدأ ساعات تشغيل المولد، ومعها تبدأ فاتورة جديدة على الأسرة.
المواطن العراقي يجد نفسه أمام معادلة مرهقة: يدفع مقابل الكهرباء الحكومية، ثم يدفع للمولد الأهلي، وفي الوقت نفسه يتحمل تكاليف صيانة الأجهزة التي تتضرر نتيجة تذبذب التيار.
وهكذا تحولت المولدات، التي كان يفترض أن تكون حلاً مؤقتاً، إلى جزء من منظومة الكهرباء اليومية.
النفط موجود.. فأين الكهرباء؟
هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً:
إذا كان العراق دولة نفطية، فلماذا لا يستطيع توفير كهرباء مستقرة لمواطنيه؟
الإجابة لا ترتبط بالمال وحده. فهناك تحديات تتعلق بالبنية التحتية، وكفاءة الشبكات، والوقود، والإدارة، والاستثمار، والفاقد الكهربائي، فضلاً عن التجاوزات وضعف الجباية في بعض المناطق.
كما أن جزءاً من المشكلة يرتبط بالحاجة إلى تطوير الشبكات وليس فقط زيادة إنتاج محطات التوليد.
المواطن يدفع الثمن
وسط هذه الأزمة، يبقى المواطن هو الطرف الذي يتحمل النتائج.
في الصيف، ترتفع الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف والتبريد، فتزداد الأحمال على الشبكة، ومعها تزداد ساعات الانقطاع.
أما أصحاب الأعمال والمصانع والمحلات، فتنعكس أزمة الكهرباء عليهم بصورة مباشرة من خلال ارتفاع تكاليف التشغيل وتعطل العمل.
وبذلك لا تصبح الكهرباء مجرد قضية خدمية، بل قضية اقتصادية واجتماعية تمس حياة المواطن ومستوى معيشته.
هل يمكن إنهاء الأزمة؟
إنهاء أزمة الكهرباء يحتاج إلى رؤية تتجاوز الحلول الموسمية.
العراق بحاجة إلى تحديث شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الهدر، وتطوير محطات التوليد، وضمان توفير الوقود والغاز، وتشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة.
كما أن مكافحة الفساد وتعزيز الرقابة والشفافية في عقود ومشاريع الكهرباء تمثل جزءاً أساسياً من أي إصلاح حقيقي.
الكهرباء ليست رفاهية
بعد سنوات طويلة من الوعود والمشاريع، لم يعد المواطن يبحث عن حلول مؤقتة، بل يريد خدمة مستقرة يمكن الاعتماد عليها.
فالكهرباء ليست رفاهية، وليست خدمة يمكن الاستغناء عنها؛ إنها أساس للمنزل والمستشفى والمدرسة والمصنع والسوق.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
إلى متى يبقى العراق، الغني بالنفط والموارد، يبحث عن الكهرباء؟
قد لا تكون المشكلة في حجم ثروة العراق، بل في كيفية إدارة هذه الثروة وتحويلها إلى خدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فالمواطن لا يريد أن يسمع كم يملك العراق من النفط، بقدر ما يريد أن يرى ثمار هذه الثروة مضيئةً في بيته، مستقرةً في مدينته، وحاضرةً في مستقبله
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






