كوردستان تحتضن الإيزيديين ومسرور بارزاني يفتح طريق الحياة

تكبير الصورة

مهند محمود شوقي

ما الذي يعنيه أن يحتفل شعب بعيده بعد أن مرّ بأقسى فصول الموت والتهجير والسبي؟ ربما تكون الإجابة في لالش، حيث تبدأ اليوم، في السادس من تشرين الأول، طقوس عيد جما إيزي، أحد أبرز الأعياد الدينية لدى الإيزيديين، وسط حضور أبناء الديانة الذين يأتون من مناطق مختلفة لأداء طقوسهم وزيارة الأماكن المقدسة واستعادة صلة لا تستطيع الحروب أن تقطعها.

لالش ليست مجرد مكان ديني. هي ذاكرة شعب، ومرآة لتاريخه، ومكان تتقاطع فيه العقيدة مع الأرض والهوية. ولذلك تبدو مشاهد العيد هذا العام أعمق من مجرد احتفال ديني؛ فهي تقول إن شعباً تعرض لمحاولة اقتلاع لم يفقد قدرته على الحياة.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

قبل أكثر من اثني عشر عاماً، كان المشهد مختلفاً تماماً.

في صيف 2014، اجتاح تنظيم داعش مناطق واسعة من العراق، ووصل إلى سنجار، فارتُكبت بحق الإيزيديين جرائم قتل جماعي وتهجير وسبي واختطاف، وتحولت النساء والفتيات إلى ضحايا لتجارة البشر والاستعباد الجنسي. كانت واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق والمنطقة في العصر الحديث.

لكن المأساة لم تكن مفاجئة لمن تابع التحذيرات التي سبقت سقوط الموصل. الرئيس مسعود بارزاني كان قد حذر الحكومة العراقية آنذاك من خطر تمدد الإرهاب، ونقل تحذيراته عبر قنوات مختلفة، من بينها عمار الحكيم وروژ نوري شاويس والسفير الأميركي ستيفن بيكروفت، ودعا إلى تحرك مشترك لمواجهة الخطر. لم تجد تلك التحذيرات الاستجابة المطلوبة، وكانت النتيجة أن أصبح الموصل وسهل نينوى وسنجار أمام واحدة من أكثر الكوارث دموية في تاريخ العراق الحديث.

الأرقام وحدها تكشف حجم المأساة. فقد اختطف تنظيم داعش 6417 إيزيدياً، بينهم 2869 امرأة، فيما قُتل نحو خمسة آلاف شخص. وتم إنقاذ 3595 مختطفاً، بينهم 1213 امرأة و1079 فتاة، بينما لا يزال مصير 2526 شخصاً مجهولاً، وفق بيانات حكومة إقليم كوردستان.

وراء كل رقم قصة إنسان.

امرأة عادت من الأسر وهي تحمل في ذاكرتها ما لا تستطيع الكلمات وصفه. طفل فقد والديه. عائلة ما زالت تنتظر خبراً عن أحد أفرادها. وشاب عاش النزوح سنوات قبل أن يعرف إن كان منزله ما زال قائماً أم تحول إلى أثر.

لهذا لم يكن احتضان إقليم كوردستان للنازحين الإيزيديين مجرد موقف إنساني عابر. فتح الإقليم أبوابه أمام مئات الآلاف من النازحين والناجيات والناجين، ووجد الإيزيديون في دهوك وزاخو ومناطق أخرى مساحة للأمان، في الوقت الذي كانت فيه سنجار تعيش تحت آثار الحرب والدمار.

لكن إنقاذ الإنسان من الموت ليس نهاية القصة.

السؤال الأصعب هو: كيف يعود الإنسان إلى الحياة بعد أن ينجو منها؟

خلال السنوات الماضية، اتجهت حكومة إقليم كوردستان إلى برامج دعم للناجين والناجيات، بينها برامج مالية وتعليمية ونفسية. وفي عام 2024 أعلنت حكومة الإقليم أن برنامجاً لدعم الناجين وصل إلى 3575 شخصاً، إلى جانب إجراءات تتعلق بالتعليم والدعم النفسي. كما استفاد أكثر من ألف ناجٍ من خدمات العلاج والدعم النفسي في دهوك، فيما أُرسل أكثر من ألف ناجية إلى ألمانيا لتلقي العلاج النفسي.

هذه الإجراءات مهمة، لكنها لا تعني أن الجرح أُغلق.

فالعودة الحقيقية إلى سنجار تحتاج إلى أكثر من عودة الأجساد إلى البيوت. تحتاج إلى أمن مستقر، وإدارة واضحة، وخدمات، وإعمار، وتعويضات، وحماية للملكية، وضمان ألا يعيش الناس مجدداً تحت تهديد السلاح.

ومن هنا تأتي أهمية اتفاق سنجار الذي وقعته الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان في التاسع من تشرين الأول 2020. الاتفاق كان يفترض أن يكون خطوة نحو تطبيع الأوضاع في سنجار، وتنظيم الملفين الإداري والأمني، وإعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة السكان. ورحبت الأمم المتحدة به في حينه بوصفه خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

لكن الاتفاق لم ينفذ بصورة كاملة، وبقيت عوامل أمنية وسياسية ووجود جماعات مسلحة تعرقل استقرار المنطقة وعودة أهلها. ولهذا جدد رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في عام 2026 دعوته إلى تنفيذ اتفاق سنجار، وإنهاء حالة عدم الاستقرار، وإعادة الأمن والإدارة إلى أبناء المنطقة، بما يسمح بعودة النازحين إلى ديارهم بكرامة.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: الإيزيدي لا يحتاج إلى أن يبقى إلى الأبد في صورة الضحية التي تُستعاد في المناسبات. يحتاج إلى أن يصبح مواطناً يعيش حياة طبيعية، يعمل، ويتعلم، ويبني منزله، ويزرع أرضه، ويحتفل بعيده دون أن يخشى أن يأتي يوم آخر يحمل معه الرعب.

ولعل لالش هي أفضل مكان لرؤية هذا التحول.

فالحفاظ على المقدسات الإيزيدية ليس مسألة دينية تخص الإيزيديين وحدهم، بل جزء من الحفاظ على التنوع التاريخي للعراق وكوردستان. وقد شملت مشاريع حكومة إقليم كوردستان ترميم وتطوير مواقع دينية إيزيدية، بينها مركز لالش الثقافي، ضمن سياسة أوسع للعناية بالمواقع الدينية لمختلف المكونات. كما افتتح رئيس حكومة الإقليم في 2025 طريق شيخان ـ لالش المزدوج بكلفة بلغت نحو 20 مليون دولار، بما يسهل حركة السكان والزائرين والحجاج إلى المنطقة.

الإيزيدي في كوردستان ليس ضيفاً مؤقتاً. هو جزء من نسيج المجتمع، كما أن المسيحي والتركماني والشبكي والصابئي المندائي وغيرهم من أبناء المكونات الدينية والقومية جزء من هذه الصورة المتنوعة.

هذه الحقيقة هي التي تجعل حماية لالش وسنجار قضية تتجاوز حدود طائفة أو منطقة. عندما تختفي جماعة دينية من أرضها، يخسر العالم جزءاً من ذاكرته. وعندما تبقى تلك الجماعة وتستعيد لغتها وطقوسها ومقدساتها وحياتها، فإنها لا تنقذ نفسها فقط، بل تنقذ جزءاً من تاريخ المنطقة.

في عيد جما إيزي، لا ينبغي أن نتذكر الإيزيديين فقط من خلال المقابر والمفقودين والناجيات من السبي. يجب أن نتذكرهم أيضاً من خلال الأطفال الذين يذهبون إلى مدارسهم، والشباب الذين يبحثون عن عمل، والعائلات التي تريد العودة إلى سنجار، والحجاج الذين يصعدون إلى لالش، والقناديل التي ما زالت تُضاء.

تلك هي الصورة التي يجب أن ينتصر لها العراق والمجتمع الدولي: عراق لا يُترك فيه الإيزيدي وحيداً أمام ذاكرة الجريمة، وكوردستان تواصل حماية تنوعها، وسنجار تستعيد أمنها، ولالش تبقى مفتوحة أمام أبنائها.

فالجرائم قد تصنع ذاكرة مؤلمة، لكنها لا يجب أن تصنع مستقبلاً محكوماً بالموت.

الإيزيدي لا يريد أن يبقى إلى الأبد في صورة السبي والنجاة. يريد أن يعيش.

وحين تُضاء القناديل في لالش، وتعود الطقوس إلى مكانها، ويكبر الأطفال بعيداً عن الخيام، وتستعيد سنجار عافيتها، يصبح الاحتفال بالعيد أكثر من مناسبة دينية؛ يصبح إعلاناً هادئاً بأن الحياة، رغم كل ما حدث، لا تزال أقوى من الموت.

حماية الإنسان لا تكتمل بإنقاذه من الموت، بل تبدأ بعدها رحلة أخرى: أن نمنحه أسباب الحياة.

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top