عباس خلف
يُعدّ “الأربعاء الأحمر” أو (Çarşema Sor) من أبرز الأعياد الدينية لدى الإيزيديين، ويحمل دلالات عميقة تتجاوز كونه مناسبة احتفالية، إذ يُجسّد في جوهره بداية الخلق وتجدد الحياة وفق الميثولوجيا الإيزيدية. ويصادف هذا العيد الأربعاء الأول من شهر نيسان بحسب التقويم الشرقي، أي بعد 13 يوماً من التقويم الميلادي، ويُعتبر رأس السنة الإيزيدية وأحد أقدم الأعياد في تاريخ المنطقة.
الأربعاء… يوم مقدّس في العقيدة الإيزيدية
وبحسب العقيدة الإيزيدية، يتمتع يوم الأربعاء بقدسية خاصة، على غرار قدسية أيام محددة لدى الديانات الأخرى، إذ يُنظر إليه بوصفه اليوم الذي خلق فيه الله “طاوسي ملك” من نوره، وهو الملاك الأسمى في العقيدة الإيزيدية. كما يُعتقد أن الكون بدأ بالتشكل في هذا اليوم، وأن الأرض تجمدت لأول مرة، قبل أن تبدأ الحياة بالانبثاق لاحقاً.
ويرتبط هذا اليوم أيضاً بنزول “طاوسي ملك” إلى الأرض في وادي لالش بجنوب كردستان، والذي يُعد أقدس موقع ديني لدى الإيزيديين. وبسبب هذه القدسية، يمتنع الإيزيديون عن العمل أو الاغتسال يوم الأربعاء، احتراماً لمكانته الروحية.
عيد نيسان… رأس السنة وتجدد الطبيعة
ويُعرف “الأربعاء الأحمر” أيضاً بعيد نيسان أو عيد طاوسي ملك، وهو إعلان لبداية عام جديد ونهاية فصل الشتاء القاسي. ويمثل هذا اليوم، وفق الفهم الإيزيدي، لحظة تجدد الكون والطبيعة، حيث تتساوى ساعات الليل والنهار، وتعود الحياة إلى الأرض بألوان الربيع.

ويُنظر إلى شهر نيسان كونه “عروس السنة”، لذلك يمتنع الإيزيديون خلاله عن الزواج أو الخطوبة أو حتى حفر الأرض، بوصفها فترة مقدسة مخصصة لتجدد الطبيعة. وتعود هذه المعتقدات إلى جذور قديمة مشتركة مع حضارات ميزوبوتاميا مثل السومريين والبابليين.
رمزية الرقم أربعة… توازن الكون
ويحمل الرقم أربعة مكانة خاصة في العقيدة الإيزيدية، إذ يرمز إلى التوازن الكوني، ويمثل مراحل الحياة (الولادة، الطفولة، الشباب، الشيخوخة)، والفصول الأربعة، والعناصر الأساسية (الماء، الهواء، التراب، النار)، إضافة إلى الجهات الأربع. ويعكس هذا الرقم فلسفة التوازن والتناغم في الكون.
طقوس العيد… رموز الحياة والخلق
وتتجلى طقوس “الأربعاء الأحمر” في مجموعة من الممارسات الرمزية التي تعكس مفاهيم الخلق والتجدد في المعتقد الإيزيدي، حيث يبدأ التحضير للعيد بجمع الزهور الربيعية (خوناف) وتزيين أبواب المنازل بها مع قشر البيض، في إشارة إلى تجدد الحياة وجلب الخير والبركة. وفي معبد لالش، يُضيء القائمون على الخدمة مئات القناديل باستخدام زيت الزيتون، رمزاً للنور والسلام واستمرارية الحياة. كما يُعد تلوين البيض من أبرز الطقوس، إذ يرمز سلقه إلى تجمد الأرض، بينما يعكس تلوينه بألوان متعددة تفتح الطبيعة وازدهارها مع حلول الربيع.
وفي صباح العيد، يتوجه الناس إلى زيارة المقابر والأماكن المقدسة، في تعبير عن التواصل الروحي، قبل أن تبدأ الزيارات الاجتماعية وتبادل التهاني، في أجواء تعبّر عن التماسك المجتمعي وبداية دورة جديدة من الحياة.
جذور تاريخية عميقة
وتشير الدراسات إلى أن هذا العيد يمتد بجذوره إلى حضارات العراق القديم، مثل احتفالات “أكيتو” و”زاكموك” التي كانت تقام في نيسان وتستمر أياماً عدة، وتحمل معاني الخلق وبداية السنة الجديدة، ما يعكس استمرارية ثقافية في المنطقة.
رسالة وحدة وتعايش
وفي هذا السياق، يؤكد وجيه المجتمع الإيزيدي في مدينة تربه سبيه، فارس شمو، أن “هناك بعض الأطراف التي تقول إن الأربعاء الأحمر مرتبط بالحروب، لكن المعنى الحقيقي هو أنه عندما جاء طاووس ملك إلى الدنيا، بدأت حياة جديدة”.
وفيما يخص تلوين البيض يقول شمو: “يتم تلوين البيض بألوان عديدة، وكل لون منها له رمزية؛ فاللون الأبيض يرمز دوماً إلى السلام، أما البيضة الحمراء فترمز إلى الوقت الذي بث فيه طاوسي ملك الروح والدم في جسد آدم، وحينها دبت الحياة”.
وفي سياق حديثه، أوضح وجيه المجتمع الإيزيدي، فارس شمو، أن المنطقة تضم مكونات متنوعة الألوان (متعددة الأطياف) تعيش معاً، وتابع قائلاً: “لا يوجد فرق بين الكرد والعرب والسريان، فنحن نواصل حياتنا معاً بشكل ديمقراطي. إن روح نوروز، وأكيتو، والأربعاء الأحمر، تظهر بوضوح معالم هذا التكاتف”.
وفي الختام، تمنى فارس شمو بمناسبة هذا العيد أن تتعزز وحدة الصف الكردي ليكونوا يداً واحدة ليتمكنوا من المطالبة بحقوقهم في كل مكان، ولا سيما في سوريا.
ANHA
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85797
مقالات قد تهمك












