خليل كارده
تمرّ منطقة الشرق الأوسط بمرحلة شديدة الحساسية, تتشابك فيها الصراعات الإقليمية والدولية وتتبدل
فيها التحالفات والمصالح بسرعة.
وفي مثل هذه المراحل لا تستطيع الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها أن تبقى في موقع الانتظار,
لأن التحولات الكبرى قد تأتي فجأة, ومن لا يكون مستعداً لها قد يخسر فرصة تاريخية يصعب
تعويضها.
ومن هنا تبرز أمام كورد إيران مسؤولية سياسية وقومية كبيرة. فالقضية الكوردية في إيران ليست
وليدة اليوم, بل هي امتداد لنضال طويل دفع فيه الشعب الكوردي تضحيات جسيمة من أجل حقوقه
القومية والسياسية والثقافية. لكن التضحيات وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها رؤية سياسية موحدة واستعداد
منظم للمستقبل.
وحدة الأحزاب الكوردية ضرورة وليست ترفاً:
إن أول ما تحتاج إليه الحركة الكوردية في إيران في هذه المرحلة هو تجاوز الخلافات الحزبية
والتنظيمية والعمل على توحيد موقف الأحزاب والقوى الكوردية ضمن إطار سياسي مشترك,
مع الاحتفاظ بخصوصية كل حزب واستقلاله التنظيمي.
ليس المطلوب إلغاء الأحزاب أو دمجها قسراً في تنظيم واحد, وإنما الاتفاق على برنامج قومي
وسياسي للمرحلة المقبلة: ماذا يريد كورد إيران؟ ما شكل حقوقهم السياسية والقومية؟ وما الموقف
المشترك إذا حدث تغيير مفاجئ داخل إيران او في موازين القوى الإقليمية؟
لقد أثبت تاريخ المنطقة أن الأحداث الكبرى لا ترسل إشعاراً مسبقاً. وقد تنهار معادلات ظلت قائمة
لعقود خلال أيام أو أسابيع. لذلك يجب أن تكون القوى الكوردية مستعدة لكل الاحتمالات, وألا تنتظر
وقوع الأحداث ثم تبدأ البحث عن موقف موحد. عندها قد يكون الوقت قد فات, وقد تتكرر تجارب
ضاعت فيها فرص ثمينة بسبب الانقسام والتردد وعدم الاستعداد.
الاعتماد على الشعب قبل الخارج:
القوة الحقيقية لكورد إيران يجب أن تبدأ من الداخل, من الشعب الكوردي نفسه. فالشعب هو الحاضنة
والضمانة والاستمرار, وليس هذه الدولة الكبرى أو تلك.
وهذا لا يعني رفض العلاقات الدولية أو الدعم الخارجي. فالسياسة تحتاج إلى علاقات وتحالفات,
ولا مانع من الاستفادة من أي دعم سياسي أو دبلوماسي أو إنساني يخدم القضية الكوردية, بل وحتى
المساعدات الخارجية المشروعة, ولكن بشرط واضح: ألا تتحول المساعدة إلى وصاية, وألا يكون
ثمنها احتواء القرار السياسي الكوردي أو التحكم به.
الحركة التي تعتمد كلياً على الخارج تصبح أسيرة حسابات الخارج, أما الحركة التي تستند أولاً إلى
شعبها وتتعامل مع الخارج من موقع المصالح المتبادلة فتكون أقدر على حماية قرارها.
لا تنخدعوا بالوعود الأميركية أو الروسية:
وهنا يجب الحديث بصراحة عن القوى الكبرى, وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا. فهذه الدول
لا تتحرك بدافع العاطفة تجاه الكورد أو غيرهم, وإنما وفق مصالحها الاستراتيجية.
لقد أثبت التاريخ أن القوى الكبرى قد تدعم حركة سياسية في مرحلة معينة, ثم تتخلى عنها عندما تتغير
مصالحها. وقد تستخدم قضية شعب كورقة ضغط سياسية أو عسكرية في مفاوضاتها مع دولة أخرى,
ثم ترمي بتلك الورقة جانباً عندما تنتهي حاجتها إليها.
إنهم بتعبير قاس لكنه يعكس طبيعة العلاقات الدولية,(شراميط السياسة), لا يعرفون صداقة دائمة ولا
عداوة دائمة, وإنما مصالح دائمة.
لذلك يجب ألا يضع كورد إيران مستقبلهم في يد واشنطن, كما يجب ألا يضعوه في يد موسكو أو أية
عاصمة أخرى. يمكن التفاوض مع الجميع, والاستفادة من تناقضات المصالح بين القوى الدولية, ولكن
من دون تسليم القرار القومي والسياسي لأي طرف خارجي.
خذوا الدعم ولا تسلّموا القرار:
لا مانع من قبول الدعم الخارجي عندما يخدم مصالح الشعب الكوردي, ولكن يجب أن تكون هناك
خطوط حمراء: لا شروط تمس استقلال القرار الكوردي, ولا احتواء للحركة, ولا تحويلها إلى أداة
في صراع الاَخرين.
فالخطر الأكبر هو أن تستخدم دولة ما الحركة الكوردية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية ضد إيران,
وعندما تحصل على الصفقة التي تريدها مع طهران, تعيد الورقة الكوردية إلى الدُرج, أو ببساطة
ترميها في سلة المهملات.
وقد شاهد الكورد مثل هذه المواقف أكثر من مرة في تاريخهم المعاصر. لذلك ينبغي أن تكون العلاقة
مع الخارج قائمة على قاعدة بسيطة: مصالحنا أولاً, وعلاقاتنا مع الاَخرين بقدر ما تخدم هذه المصالح
وتحترم استقلال قرارنا.
اللحظة تحتاج إلى رؤية كوردية مشتركة:
على الأحزاب الكوردية الإيرانية أن تجلس اليوم, قبل الغد, إلى طاولة واحدة, وأن تضع خلافاتها
الثانوية جانباً, وتحدد برنامج الحد الأدنى الذي يجمعها. كما ينبغي فتح المجال أمام المثقفين والشباب
والمرأة ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة, حتى لا يبقى القرار القومي محصوراً في
الأطر الحزبية وحدها.
فالمستقبل قد يحمل تغيرات كبيرة لإيران والمنطقة, ولا أحد يستطيع اليوم أن يجزم أو يتكهن بشكل
النظام السياسي أو التحالفات الإقليمية بعد سنوات قليلة, وربما حتى بعد أشهر.
ولهذا فإن المطلوب ليس انتظار سقوط نظام أو اندلاع حرب أو تدخل خارجي, بل بناء البيت الكوردي
من الداخل والاستعداد لكل السيناريوهات.
ختاماً:
إن القضية الكوردية في إيران لن يحميها الأميركي ولا الروسي ولا أية قوة خارجية إذا لم يحمها
أصحابها أولاً. الحليف قد يتغير, والاتفاقيات قد تتبدل, والمصالح الدولية قد تنقلب بين ليلة وضحاها,
أما الشعب والأرض والحقوق فهي الباقية.
على كورد إيران أن يمدوا أيديهم إلى العالم, ولكن عليهم أن يقفوا أولاً على أقدامهم.
الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف, والاستفادة من الخارج لا تعني الارتهان له, والسياسة الحكيمة لا
تعني الثقة العمياء بأحد.
فالمرحلة المقبلة قد تفتح أبواباً لم تكن مفتوحة من قبل, وقد تغلق أبواباً أخرى. ومن يستعد اليوم
يستطيع أن يقرر غداً, أما من ينتظر الاَخرين كي يقرروا عنه فقد يجد نفسه مرة أخرى مجرد
ورقة على طاولة المفاوضات.
وحدة الصف الكوردي, الاعتماد على الشعب, استقلال القرار والاستعداد المبكر, هذه هي الضمانات
الحقيقية حتى لا تضيع فرصة أخرى من بين أيدي كورد إيران.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





