مكامن الخلل… قراءة في أزمات الحركة الكردية في سوريا

تكبير الصورة

م. أحمد زيبار

بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957، تأسس أول حزب كردي في سوريا بمدينة حلب، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي الكردي المنظم، حملت معها آمالاً كبيرة بأن تكون الحركة السياسية وسيلة للنضال السلمي من أجل الاعتراف بوجود الشعب الكردي وحقوقه القومية في سوريا.

ولا شك أن الحركات والأحزاب كانت، وما زالت، من أهم الوسائل للدفاع عن قضيتنا وتحقيق حقوقنا. لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى مسيرة الحركة الكردية بموضوعية؛ فإلى جانب ما قدمه المخلصون من نضال وتضحيات وعطاء، رافقتها ظواهر سلبية كان لها أثر واضح في إضعافها وإرباك مسيرتها، وفي مقدمتها النفاق والمزايدة.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

وإذا أردنا أن نكون صريحين مع أنفسنا، فإن نقد هذه الظواهر ليس إساءة إلى الحركة الكردية ولا انتقاصاً من تاريخها، بل هو جزء من المسؤولية تجاهها؛ فالحركة التي لا تراجع أخطاءها ولا تواجه مكامن الخلل فيها، ستظل تدور في الحلقة نفسها مهما تغيّرت الأسماء والقيادات.

من أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة أو تنظيم ليس الاختلاف في الرأي، ولا تعدد وجهات النظر، بل تسلل النفاق إلى صفوفها، حين يصبح الولاء للأشخاص والمصالح مقدّماً على الولاء للمبادئ والقضية.

فالمنافق قد يظهر في صورة أكثر الناس حماساً ووفاءً، ويتحدث عن القضية والمبادئ والتضحيات، بينما تتحكم في مواقفه مصالحه الشخصية، فيبدّل مواقفه وفق الظروف وموازين القوة. وقد يكون خطره أكبر من الخصم الواضح؛ فالخصم معروف الموقف، أما المنافق فيقف داخل الصف نفسه، ويتحدث بلغته، ثم يعمل من الداخل على إضعاف الثقة وزرع الشك وتأجيج الخلافات.

ومع الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى بيئة تقوم على الاصطفاف والولاء الشخصي، فتُقرّب من يوافق وتُقصي من يختلف، وتصبح الكفاءة والاستقلالية عبئاً بدل أن تكونا قيمة. وهنا يجد المخلص نفسه أمام خيارين: إما الصمت والتكيف، أو الابتعاد حفاظاً على كرامته ومبادئه.

وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية؛ فالحركات لا تضعف فقط عندما تخسر معركة سياسية، بل عندما تخسر مثقفيها ومخلصيها وأصحاب الكفاءة، وتترك المجال لمن يجيدون الولاء للأشخاص أكثر من الولاء للقضية.

أما المزايدة، فهي من الظواهر التي ألحقت ضرراً كبيراً بالعمل السياسي الكردي، حين يحاول البعض إثبات أنه أكثر وطنية وقومية ووفاءً للقضية، لا من خلال العمل والإنجاز، بل برفع سقف الخطاب وتوزيع الاتهامات والتشكيك في نوايا الآخرين.

والمشكلة ليست في القيم الوطنية والقومية أو التمسك بالمبادئ، وإنما في تحويلها إلى وسيلة لإسكات الرأي الآخر، والتشكيك في وطنية من يختلف أو في مدى وفائه للقضية. فعندما يصبح إثبات الولاء أهم من خدمة القضية، يتحول العمل السياسي إلى منافسة على الشعارات، ويصبح المختلف عرضة للتخوين والتشكيك، فتضيق مساحة الحوار ويبتعد المثقفون وأصحاب الرأي المستقل. فليس كل من رفع صوته أكثر إخلاصاً، ولا كل من هاجم الآخرين أكثر وطنية؛ فالانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، والوفاء للقضية تثبته المواقف والعمل والتضحية.

ولم يدفع أصحاب النفاق والمزايدة ثمن ممارساتهم وحدهم، بل دفعه المخلصون للقضية أيضاً. فكم من مثقف ابتعد لأنه لم يجد مساحة للكلمة، وكم من صاحب كفاءة تراجع أمام المحاباة والولاءات الشخصية، وكم من شخصية قومية آثرت الصمت بعدما أصبح الاختلاف مدخلاً للتخوين والتشكيك؟

وهكذا خسرت الحركة جزءاً من طاقاتها ومثقفيها وأوفيائها، وفتحت المجال أمام الوصوليين وأصحاب المصالح ومن يسعون إلى صناعة مكانة شخصية على حساب حقوق شعبنا الكردي. فالزعامة ليست لقباً ولا منصة ولا كثرة أتباع؛ الزعامة مسؤولية، والرمزية تُكتسب بالثقة والمواقف، والقائد الحقيقي هو من يجمع الناس حول القضية لا من يجعل القضية وسيلة لجمعهم حول شخصه.

ومع ضعف المؤسسات، تنمو الشخصنة، فيرتبط الحزب بشخص، والقرار برأي فرد، ويصبح النقد وكأنه استهداف للكيان، فتتكرر الانقسامات بينما تبقى الأسباب نفسها. وبذلك تنشغل الحركة بخلافاتها الداخلية أكثر من انشغالها بقضيتها، وتضعف معها قدرتها على إنتاج موقف سياسي كردي سوري مستقل.

ولا يعني ذلك رفض العلاقات الإقليمية والدولية، فهي ضرورية في العمل السياسي، وإنما الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقات إلى ارتهان، ويصبح القرار المتعلق بحقوق الكرد في سوريا خاضعاً لحسابات الخارج بدل أن ينطلق أولاً من مصالح شعبنا.

ومن نتائج هذا الواقع أيضاً عجزنا عن إنتاج رموز قومية سورية جامعة تحظى بثقة تتجاوز حدود الحزب والمنطقة والعشيرة. فالكرد في سوريا لا يفتقرون إلى الكفاءات والمثقفين وأصحاب التاريخ والنضال، لكن الانقسام والمزايدة والشخصنة وعوامل أخرى كثيراً ما حالت دون بروز شخصيات قادرة على جمع الناس حول مشروع واحد.

إن نقد هذه السلبيات ليس عداءً للحركة ولا انتقاصاً من تضحياتها، بل هو جزء من الوفاء لها. فالحركة التي نحبها يجب أن نمتلك شجاعة نقدها، والقيادة التي نحترمها يجب أن تقبل المحاسبة، والتنظيم الذي نريده قوياً يجب أن يراجع أخطاءه.

لقد عانى الكرد في سوريا طويلاً من التهميش، وليس من المقبول أن نعيد إنتاجه داخل حركتنا بأيدينا؛ فنهمّش المثقف لأنه مستقل، ونقصي الكفاءة لأنها لا تجامل، ونشكك بالمخلص لأنه لا يصفق، ونرفع الوصولي لأنه يجيد الكلام.

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من المنافقين والمزايدين أو الزعامات المصطنعة، بل حركة مؤسساتية قوية، تحتضن المثقفين والكفاءات، وتحمي المخلصين، وتحترم الاختلاف، وتنتج قراراً كردياً سورياً مستقلاً، وتفتح الطريق أمام رموز قومية جامعة يلتف حولها الشعب.

 في النهاية، ليست المشكلة في الاختلاف داخل الحركة، فهو طبيعي، ولا في تعدد الآراء، فهو يمكن أن يكون مصدر قوة. المشكلة تبدأ حين يُسمح للنفاق والمزايدة بأن يأخذا مساحة داخلها، وحين يصبح الولاء للأشخاص أهم من الوفاء للقضية، وحين يُقاس الانتماء بما نقوله عن أنفسنا لا بما نقدمه لها.

لقد أضعف ذلك الثقة بين أبناء الحركة، وأبعد كثيراً من المخلصين وأصحاب الكفاءة، وفتح الباب أمام الشخصنة والوصولية، فأصبحت الطاقات متفرقة، والجهود أقل قدرة على إنتاج مشروع جامع وقرار مستقل. ومواجهة هذه الظواهر ليست مسألة هامشية ولا تصفية حسابات، بل مسؤولية تجاه مستقبل قضيتنا.

فالقضية الكردية في سوريا أكبر من حزب أو قائد، وقوتها تبدأ حين نضعها فوق الأشخاص، والعمل فوق الشعارات، والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. وعندها فقط يمكن بناء حركة تستعيد ثقة شعبها، وتحترم اختلاف أبنائها، وتملك قرارها، وتحمل تطلعاتهم بجدارة.

بريمن.22.08.2026 

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top