أ. د. سربست نبي
لايخلو عنوان هذه المقالة من الاشهار الصريح باللجوء إلى مغامرة (التنميط)، التي تشكّل فخّاً لأي قراءة طامحة للموضوعية. لكن بوجه عام هذا المسعى لا يتنافى مع القول بإمكانية وجود نموذج عام، عابر للزمن، يوّحد مظاهر السلوك الاجتماعي لجماعة ما وراء الاختلافات الخاصة والمتغيرات ويسمها كسمة خاصة بها، وهذا النموذج هو ما يمكن استنباطه وأمْثَلَته بوصفه تعبيراً عن هوية ثقافية واجتماعية تحت عنوان النمط السوري (الشامي) للحياة، من قبيل وصف شعب ما بخصال معينة، مثل القول بأن الفرس يتسمون بالدهاء الدبلوماسي، والعرب يشتهرون بالفصاحة والبلاغة والعصبية، الانكليز يعروفون عادة بالانضباط واحترام القانون، والألمان بالدقة والتنظيم والالتزام بالمواعيد، أما الفرنسيون فقد اشتهروا بالاهتمام بالفنون والثقافة، البلاغة، المطبخ، الأناقة.. الخ تلك الخصائص الشخصية العامة للشعوب هي التي تعكس نمط الحياة الخاص بها وتعرّفه.
كذلك يصح الأمر عند الحديث عن (النمط السوري في الحياة) وبوجه خاص (الإيثوس Ethos الشامي) منه، الذي نقصد به الطابع والسلوك المميزة لثقافة وقيم المجتمع الشامي(الدمشقي) ويحتل مكانة مركزية في النمط السوري للحياة. وينطوي مصطلح(النمط) الذي نستخدمه بحذر شديد في هذا السياق، على الدلالات التالية، منها الشخصية الثقافية، السجايا، الأسلوب، المزاج، السمة، والهيئة، وتشكل معاً النمط السوري العام للحياة، الذي ساد واستمر لأمد غير قصير من التاريخ وشكّل الشخصية السورية وهويتها الثقافية والاجتماعية التي عهدناها حتى وقت قريب. وفي ضوئه يمكن الإجابة عن سؤال من هو السوري؟ وكيف يكون؟
لكن بالمقابل يبدو الحذر ملحاً هنا، من إمكانية إرجاع تلك الخصائص والصفات إلى طبيعة سورية ثابتة تاريخياً، تتعالى على المتغيرات، وفي الوقت نفسه تنطبق على جميع السوريين والبنى الثقافية والاجتماعية السورية، التي اتسمت بالتعدد والتنوع طوال التاريخ وهذه هي السمة الثابتة في النمط السوري للحياة. فمن المسلم به بأن أنماط الحياة وطبائع المجتمعات تتغير بتغير الظروف والأحوال، ومن العبث تعميم أي تصور نمطي على جميع السوريين أو بلاد الشام دون الأخذ بالحسبان مبدأي التنوع والتعددية في البنى الثقافية والاجتماعية، ومبدأ التغيير، الذي يفيد في النظر إلى النمط بصفته نتاجاً تاريخياً- تراكمياً تشكّل عبر قرون في الحواضر الشامية، مثل دمشق وحلب وحمص وغيرها، وليس كصفة ثابتة لصيقة بكل السوريين وملازمة لهويتهم دون اختلاف وفي انسجام مطلق، وخلاف هذا المبدأ ينطوي على تبسيط شديد للمسألة. بهذا المعنى سبق وأن أشار ابن خلدون، إلى أن أخلاق المجتمعات وطباعها تتغير بتغير العمران والاقتصاد والأحوال السياسية، فهي ليست صفات فطرية، متوارثة وثابتة لدى أي شعب من الشعوب.
من هذا المنظور يمكن التأريخ لولادة (النمط السوري للحياة) المقصود هنا، بعملية التحديث في المجتمع السوري، بوصفها عملية تراكمية امتدت لقرابة قرن ونصف، ابتدأت بالإصلاحات العثمانية (التنظيمات) منتصف القرن التاسع، حيث كمن هنا الزمان المرجعي لولادة هذا النمط، وترافق، كما نعلم، مع تحدث الإدارة ومؤسسات القضاء والتعليم، المدارس الحديثة والانفصال عن التكايا، انخراط المرأة في الحياة العامة بصورة أولية، الطباعة وظهور الصحافة. تزامنت معها نهضة ثقافية وسياسية قادتها أنتلجنسيا حديثة النشأة، وتحديث اجتماعي نهض بأعبائه طبقة مدينية من التجار.
في النصف الأول من القرن العشرين راحت تتشكل على أنقاض المؤسسات الاجتماعية القديمة للسلطة، مؤسسات سياسية- دولتية حديثة، عرفتها سوريا للمرة الأولى في تاريخها، أثناء حقبة الانتداب الفرنسي وما أعقبها من المرحلة الباكرة للاستقلال. وهكذا تطورت البنية القانونية للدولة ونشأت حياة برلمانية مع بروز ظاهرة الأحزاب السياسية وتنامي نشاطها، وصعود قوى المجتمع المدني وتعزيز دورها، اتساع دائرة المشاركة السياسية، توسع التعليم، نمو المدن، انتقال السكان من الريف إلى المدن والانفصال عن النمط التقليدي للحياة الاجتماعية، تطور أشكال الحكم المحلي( البلديات) ونظام الإدارة. هذه العملية كانت تقودها طبقة وسطى- مدينية راحت تكتسب دوراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً أشد تأثيراً في الحياة العامة، بالتوازي مع التراجع النسبي لدور البنى التقليدية (العشيرة والطائفة في بعض المجالات) لصالح مؤسسات الدولة.
كان أمد هذه العملية قصيراً، إذ سرعان ما انقض الضباط ذوي الخلفية الريفية والتقليدية والأحزاب القومية على السلطة واحتكروها تحت شعارات أيديولوجية، عطلت نمو الحياة المدينية وتحديثها بقدر كبير، وطبعت طبقة العسكر مؤسسات السلطة وممارساتها بطابعها الريفي، وفرضت على المجتمع مساراً مصطنعاً للنمو والتطور بطريقة إرادوية وعسفية. ترافق ذلك مع سيطرت الثكنات على المؤسسات كالقضاء والمدارس وعلى الاقتصاد وغيره، حيث تمّ فرض منطق الثكنة على منطق القانون والدولة، وتراجع دور الطبقة الوسطى وانكمشت دائرتها إلى أضيق حدّ، وبموازاته بدأ التفكك ينخر بالمجتمع المدني، الذي همّش من قبل السلطة، فارتدّ إلى بناه الأهلية التقليدية. من هنا أخذت المقدمات الضرورية لنشوء الدولة الحديثة تتآكل وتتبدد وتضمحل لتختزل في سلطة أمنية- قمعية مركزية ابتلعتها والمجتمع معاً، سلطة مكرّسة بخطاب أيديولوجي فاق في حضوره المقدس على الوعي الجمعي كل خطاب ديني أو ما ورائي آخر. بلغت هذه الانتكاسة المجتمعية والسياسية ذروتها في حقبة الاستبداد البعثي، بقيادة حافظ الأسد و وريثه بشار، منذ عام ١٩٧٠ وانتهاءاً ب ٢٠٢٤م.
تغولت مركزية السلطة في هذه الحقبة بشكل مفرط وهيمنت على جميع مناح الحياة السياسية والمدنية، حيث تحولت المدارس والجامعات والمؤسسات الإعلامية من منصات معرفية- تربوية إلى أدوات لضبط سلوك الأفراد وتنميط وعيهم وتوجيه حياتهم. صاحب ذلك تهميش دور المجتمع المدني وقواه، بالتوازي مع تراجع التعددية السياسية.
وهكذا استطاعت السلطة احتكار المجال العام (المدني والسياسي)، ففي ظلّ غياب دولة حقيقية، اغتصبت السلطة مكانة الدولة واستحوذت على صلاحيتها ومهامها الجوهرية، ومنها الاحتكار المشروع للعنف المادي والرمزي. مما مكّنها من التأثير العميق على هوية الأفراد واستعداداتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية، وأملت عليهم ممارساتهم وأنماط سلوكهم وتفكيرهم، بحيث بات السلوك العقلي والعملي- الأخلاقي لديهم محكوماً بمنطق السلطة ومطبوعاً به. على هذا النحو فرضت سلطة البعث (هابيتوس Habitus) خاص بها على الأفراد وطبعت سلوكهم بطابعها. كان هابيتوس المرء أو (المواطن الصالح) في زمن البعث يتوقف على جملة استعدادات وامتيازات منها (القومية، العرقية، المذهبية، الجنس، الرأسمال المادي، الولاء، الانتماء الحزبي، الانتماء المناطقية، إلخ الطبقة الاجتماعية)، علاوة على خبرات تعلم مهارات مكتسبة، مثل حسن التصرف، القدرة على المناورة، الخبرات المتراكمة من المداهنة والتملق، مهارات قراءة الإيحاءات غير المكتوبة بطريقة لا واعية، براعة التصرف في ظلّ سلطة قمعية، كيفية الانتظام في فضاء مجتمع الثقة… الخ
خلال فترة حكم الأسدين، كانت للتربية البعثية العديد من الآثار السلبية والمنحرفة، التي لم تكن تنسجم مع النمط السوري للحياة، الذي كان آخذاً بالانكماش والانزواء في أرخبيل اجتماعي متناثر على الجغرافية المدينية السورية. هذه الآثار تجلّت بوضوح في سلوك الأفراد واستعداداتهم حينما تتم المقارنة بين خصائص وسمات الشخصية المتكونة خلال العقود الست الماضية قياساً إلى حقبة ما قبل حكم البعث. ومن بعض السلبيات الصارخة، التي طبعت الشخصية السورية بطابعها الخاص، وبالتالي ناخت بثقلها على الحياة العامة وفرضت نفسها على العلاقات الاجتماعية، ظهور التبجح المصطنع وشهوة السلطة. الوقاحة والغطرسة في الخطاب مع الآخر. شيوع خطاب الاتهام والتفشيل المسبق، التكبر وعبادة الذات. التخوين والاتهام بالعمالة والشك وانعدام الثقة بالآخر. الحديث بإفراط عن الفضائل مع التحلل منها فعلياً. الرغبة في التسلط وقهر الآخرين، الميل إلى تخريب كل عمل منظم وعقلاني يخدم البلاد ويصب في مصلحة المجتمع. إقصاء الكوادر النزيهة والمخلصة عن ساحة العمل وتقييد روح المبادرة لديها، الشغف المنحرف بالسطوة على مجهود الآخرين، ومصادرة كل شيء رأسمال مادي ومعنوي لديهم. الإعجاب المفرط بالذات والنرجسية القاتلة دون وجه كفاءة. دفع الناس إلى التزام الصمت والسكوت عن كل منكر وقبيح ناهيكم بإشاعة ثقافة التملق والنفاق لدى الآخرين. إرهاق الناس وإغراقهم بالتفاصيل المملة وتكريس فكرة أن مصيرهم تحت خطر الفناء عند أية محاولة أو مجرد التفكير في الخروج على سلطة البعث ومنهجها. احتكار وحصر الوطنية بالمؤيدين والموالين للسلطة والقتل المعنوي إعلامياً ونفسياً لكل مخالف أو معارض للسلطة. بذاءة اللسان والشتم دون استثناء وشيوع السوقية في التعاطي. قلة الحياء ونسف الأخلاق وتحطيم أي مرجعية ذي قيمة رمزية أو اعتبارية. الشمولية والطائفية والتعصب. ادعاء المثالية في الأفكار والسلوك وبالمقابل السقوط المبتذل في جزئيات الواقع. اللصوصية والميل المفرط إلى سلب كل ماهو مثمر وإيجابي عن الآخرين …الخ، وهنالك صفات أخرى مشابهة كانت تشكّل خصالا أساسية لأغلب قيادات البعث السابقين والطبقة التي حكمت سورية.
هذا التحقيب الإجرائي يساعدنا على رصد المتغيرات في السلوك الثقافي والاجتماعي السوري والتحولات القيمية في ظل النظم السياسية، التي تعاقبت على السلطة. وفي الوقت نفسه يمهد لنا ويسوّغ لنا الحديث عن نمط اتسم بالبقاء مستمراً وإن كان قد بدأ يتقلّص ويهمّش. ومن المهم في سياق هذا الحديث العمومي عن (النمط السوري) أن نأخذ بالحسبان على الدوام الاختلافات بين (الإيثوس Ethos) الشامي المديني عن مثيله الزراعي في الجزيرة السورية، أو البدوي في وسط سوريا، أو الساحلي المتوسطي، أو الدرزي في جبل العرب، وكلها تنطوي على اختلافات ليست بيئية- جغرافية فحسب، وإنما أيضاً لغوية- عرقية، ثقافية- دينية، لها امتداد تاريخي عميق، تعكس غنى التنوع الثقافي والهوياتي في سوريا، وهذه سمة طاغية على (النمط السوري للحياة) كانت كذلك على الدوام طوال التاريخ. فقد احتوت سوريا جغرافياً وتاريخياً على عدة قوميات وجماعات تاريخية راسخة (عرب، كورد، سريان) وقوميات (أقليات) مستوطنة (أرمن، شركس، تركمان)، وأديان ومذاهب (سنة، علوية، مسيحيون، اسماعيلية، أزيدية، مرشدية، شيعة..الخ) تعايشت معاً وتناقضت في آن، كهويات ثقافية واجتماعية، دون أن تتمكن السلطات السورية، في أي وقت من الأوقات، أن تجد هوية وطنية مشتركة حرّة، تمثّلها جميعاً وتستغرقها دون إقصاء أو إنكار.
وهكذا لم يكن واقع التنوع الثقافي والديني- المذهبي والتعدد القومي في سوريا عارضاً أو طارئاً في أي وقت من الأوقات. فقد مثّل التنوع والتعدد معطى تاريخيّاً وموضوعيّاً في جميع الحقب والأدوار التاريخية لهذه الجغرافية. ولم تكن سوريا في يوم من أيام تاريخها وحيدة الثقافة أو اللغة أو حتى الدين. التنوع والتعدد هما كانا جوهر وجودها التاريخي على الدوام. وهذه الحقيقة ينبغي أن نسلم بها في بداية أيّ محاولة لتحديد هويتها. وهي تمثّل شرطاً منهجيّاً راسخاً هنا، حيث نحاول مفهمة (الوحدة التي تكفل التنوع وتزيده، والتنوع الذي يسجّل داخل وحدة، ألا وهي الوحدة المعقّدة، الوحدة داخل التنوع، والتنوع داخل الوحدة. الوحدة التي تنتج التنوع، والتنوع الذي ينتج وحدة) بتعبير أدغار موران.
رغم اختلاف الأزمنة والعصور، ورغم تنوع تصورات الكتّاب والمؤرخين والرحالة وانطباعاتهم، نجدهم يشتركون في ذكر عدة سمات عند وصف النمط السوري. وبعيداً عن المبالغة في تصوير سوريا بوصفها نموذجًا مثاليًا للتسامح أو التعايش، يشهد الجميع على أن هذا التنوع الثقافي والتاريخي والاجتماعي، هو ما طبع التاريخ السوري العام وفرض نفسه على الهوية السورية تاريخياً رغم سياسات الإقصاء والتهميش والتغييب، التي اعترت التاريخ السوري من قبل أنظمة الحكم المتعاقبة، ومحاولات فرض هوية أحادية شمولية قسراً، على أساس من المركزية اللغوية والثقافية والأيديولوجية، أو الدينية- المذهبية كما يحدث الآن، وقلّصت التنوع التاريخي والتعدديات القومية إلى الحدّ الأدنى بزعم أن الوحدة الثقافية والدينية والمذهبية أو القومية، من شأنها أن تكرس التضامن الاجتماعي والاقتصادي، وتعزز التماسك الداخلي والحياة المشتركة على نطاق واسع. وبالمقابل فإن الاعتراف بها وإحياءها قد يقودان إلى منزلق خطير يهدد بالتمزق والتفكك الداخلي وتناحرات وصراعات محتملة. حيث اعتبرت الآخر المختلف شرّاً لا بدّ من تدجينه وإخضاعه وإقصائه في نهاية المطاف، دون الاكتراث بشرعية هويته التاريخية. لعل أبلغ مثال على ماسبق قوله، وأوضح نموذج للدلالة على هذا التنوع التاريخي العريق يعكس، في الوقت نفسه، قوة وصلابة النمط السوري للحياة، هي مدينة دمشق. هذه المدينة، التي عرفت تاريخياً بتنوعها العرقي (سريانيين آراميين، عربا، كردا، أرمنيين، شراكس) وبتنوعها الديني، المذهبي (مسيحيين، مسلمين سنة، شيعة، علويين، يهودا. الخ) ظلّت محافظة بثبات على خصوصيتها هذه. إن دمشق التي مرّ عليها عشرات الغزاة والطغاة وأرادوا انتزاع هويتها وسلب خصوصيتها، وبالمقابل، فرض هوياتهم العابرة عليها، فشلوا في نهاية المطاف، فإما أن رحلوا عنها خائبين وإما استسلموا وأذعنوا لها و(تدمشقوا) واستجابوا لإرادتها صاغرين.
يتجسد النمط (الشامي) في سلوك الأفراد وعلاقاتهم، في نظرتهم للحياة وفي الثقافة السائدة، التي تنحو إلى تمجيد العمل واكتساب المهارات والخبرات العملية بصورة دائمة، ولتحقيق هذا الغرض نجد أهل الشام يفضلون رتابة الاستقرار المديني الممنهج، ويرفضون المغامرة والانخراط في مشاريع غير محسوبة النتائج بدقة. وهذا النمط من التفكير ينطبق على علاقاتهم الأسرية والعلاقات القريبة والبعيدة، فالشامي، حذرٌ وشكاك، لا يمنح الصداقة أو الثقة لأي شخص عابر، إلا بعد تجربة طويلة ومتراكمة من المعايشة. فهو قد يجاورك لعقود طويلة ويتفاعل معك في شؤون العمل دون أن يمنحك الصداقة السريعة أو الثقة، التي يقدمها ابن البادية العابر للمكان. ومثلما ينأى بنفسه عن التدخل في خصوصيتك الفردية، فإنه، بالمقابل، يشكّل جداراً صلباً أمام رغبة أيّ فضولي يحاول اقتحام خصوصيته.
ولأنه الشامي كذلك، ولأن مدينته كانت طوال التاريخ إحدى أهم مراكز التجارة العالمية، فقد فرض عليه هذا الموقف ذهنية تفاوضية، تميل إلى التسويات وإدارة المصالح وفق منطق الحلول الوسطى. وهذا ما جعل ابن الشام بعيداً عن التطرف في خياراته اليومية، ويتجنب الصدام المباشر مع محيطه، حتى حين يكون ذلك ضرورياً. فالمدن بطبيعتها، كمراكز تجارية، تعلي من شأن قيم التعاون والتفاهم وتكرّس من التواصل مع المختلف يومياً، بدلاً من مبدأ الصراع أو الصدام مع الآخر. من هنا نلاحظ أن الشامي في حياته اليومية وفي أحاديثه الشفاهية يلجأ عادة إلى التلميح، لا التصريح، والغموض والألغاز حين يكون في موقف الرافض أو الساخط أو الناقد لموقف ما، دون التعبير المباشر والصريح عن ذلك، رغبة منه في عدم الانزلاق في صدام مباشر. أو يستعين، في أحوال أخرى، بالمجاملة المفرطة، التي قد تفهم كمداهنة، وباللباقة والكياسة في إدارة العلاقات الاجتماعية.
كل هذه الطباع وأنماط التفكير والسلوك هي نتاج بنية اجتماعية، التي بدورها هي حصيلة سيرورة تاريخية وثقافية متراكمة، ومن الضرورة بمكان معاودة التأكيد على أن الأحكام والاستنتاجات السابقة بشأنها هي نسبية. بيد أن السؤال الأكثر إلحاحاً، الذي يعزز فرضيتنا ويسعفنا بشأن وجود النمط السوري للحياة، هو كيف نفسر استمرار التعايش بين الثقافات والمختلفين دينياً وهوياتياً بين السوريين في المدن أو المركز التجارية كدمشق وحلب وحمص حتى عهد قريب وما مصيره ومآلاته؟
عرفت دمشق تاريخياً، منذ زمن معاوية بن أبي سفيان، بتعدديتها الدينية قبل أن تتضاءل دائرتها وتضيق وصولاً إلى الوضع الراهن، فقد كانت دمشق، والحواضر السورية، نموذجاً للتعايش بين الجماعات الدينية المختلفة، وحافظت جميعها على هويتها ومؤسساتها الدينية بمقدار كبير، وكان للتجار المسيحيين واليهود أدوار فاعلة في الأسواق إلى جانب المسلمين. وظلت الغالبية السكانية المسيحية، إلى جانب اليهود، تحتفظ بهيمنتها لأمد طويل، وإن واجهت تحدّيات وجودية في فترات متفاوتة.
تاريخياً كانت دمشق بمكانتها، التجارية المركزية، هذه تشكّل على الدوام بيئة اقتصادية وثقافية واجتماعية للتفاعل بين الجماعات الدينية وأتباع العقائد المختلفة، وكان هذا التفاعل أو التواصل بين المختلفين يقتضي قبولاً للآخر، ففي الأسواق التجارية لم يكن التبادل يقتصر على السلع المتنوعة فحسب، وإنما أيضاً تبادل الأفكار والقيم الأخلاقية والمبادئ الدينية المختلفة وحتى المتعارضة، من هنا ساد العلاقات وتقاليد التعايش مع الآخر على قاعدة القبول بالاختلاف معه. وبالطبع لا نستطيع الجزم بأن هذه التقاليد انطلقت من مبدأ التسامح، فهذا الأخير هو أرقى وأكثر تقدماً من مبدأ التعايش، ولعله يفسّر لدينا الانطباع السائد عن الرحالة والمؤرخين، بأن النمط الثقافي والاجتماعي السوري بأنه ثقافة تعايش أكثر من كونه ثقافة التسامح، والاختلاف بين المبدأين جليّ للغاية. فمبدأ التعايش أكثر هشاشة وأضعف من مبدأ التسامح عند التحديات التاريخية التي تشهد نزاعاً أهلياً كما حدث في العقد والنصف الأخير، وأكثر عرضة للانزياح والاختراق والهتك. وبناء على ما سبق نخلص إلى استنتاج تاريخي راسخ يفسّر تلك العلاقة الجدلية- التضايفية بين الازدهار الاقتصادي- التجاري للحواضر السورية وشيوع ثقافة التعايش والتنوع الديني والعقائدي فيها. إذ كلما كانت هذه الحواضر نشطة اقتصادياً وأكثر انفتاحاً على التبادل التجاري مع العالم والداخل، كانت ثقافة التنوع والتعايش فيها أوسع وأكثر استقراراً. وبالمقابل كلما كانت هذه الحواضر أكثر قبولاً للآخر والتعايش معه وأكثر غنى في التنوع الثقافي والعقائدي، كانت مؤهلة أكثر لتعزيز مكانتها التجارية وازدهارها الاقتصادي، والعكس صحيح.
ويبقى السؤال قائماً، هل يمكن لهذا النمط، الذي لم يكن أكثر عرضة للموت، للتفتت والانحلال، في أي وقت من الأوقات، كما هو الآن، أن يستمر ويستعيد زخمه الحياتي وينتعش في ظلّ سلطة سلفية جهادية، مدرعة بترسانة عقائد وفتاوى تكفيرية إقصائية، وتسعى إلى فرض تجانس عقائدي على السوريين بصورة قسرية ومصطنعة؟ سلطة غايتها القصوى أن تفرض على المجتمعات السورية جميعها، بتنوعها الديني والثقافي والقومي، شكلاً معيناً من التدين والتفكير والعادات، ونسقاً محدداً من الإيمان، وبالتالي نمطاً من الحياة على أنقاض الحياة المشتركة السابقة؟ طغمة جهادية دأبها أن تملي صيغة محددة من الهوية الدينية- المذهبية على الجميع وتلزمهم بنهجها، بخلاف التدين المعتدل السائد (الإسلام الشامي) المعهود والمألوف، الإسلام العملي- كدين معاملة، المبرأ من المقاصد الأيديولوجية والسياسية للسلطة؟ وبعبارات سياسية صريحة هل يمكن الحفاظ على بقايا الهوية السورية ويكتب لها البقاء والازدهار مجدداً من دون قيم التعددية والانفتاح والتسامح والمساواة بين الجميع؟ كيف نضمن ذلك وكيف نؤسس له؟
السؤال يتعلق هنا بمآلات الوضع السوري ومستقبله، تتسع معه دائرة أسئلة أخرى تترى، وشكوك تتعلق بالمصير السوري والسوريين معاً، وتحديداً مصير الثقافة والهوية السوريتين؟ ولذلك يبدو محالاً الإجابة عنه بيقين تام. وفي هذه الحالة هنالك سيناريوهات عديدة محتملة، واحد منها يمضي عبر بوابة المصالحة وإعادة الثقة.
عادة ما تنوء ذاكرة المجتمعات الخارجة حديثاً من النزاعات الأهلية الدموية والطويلة، مثل الحالة السورية، تحت ثقل الكراهية المتوارثة والانقسامات، وتكون الثقة البينية في أوهن حالاتها، مالم تكن معدومة، حيث يتلاشى لديها الوعي بالمصير المشترك، ويتضاءل الإيمان باستعادة التعايش إلى أدنى حدّ، فترتدّ وتلوذ كل جماعة طائفية أو دينية أو عرقية بخانة هويتها وتتحصن فيها. هنا تترسخ الانقسامات الطائفية والإثنية إلى أقصد حدّ، ويتعذر التعايش. تتفاقم هذه المعضلة أكثر مع وجود سلطة أيديولوجية متطرفة، كالسلطة القائمة في دمشق، تستعير لسان جزء صغير جداً من المجتمع وتعبر عن مصالحه ورؤيته، وتسعى إلى الهيمنة على الجزء الأكبر، تصادر هويته وإرادته، فيشعر هذا الأخير بأنه مستعبد ومستبعد عن تقرير مصيره بحرية.
ختاماً، يتوقف مستقبل التنوع والتعايش في سوريا على إرادة السوريين وقدرتهم على بناء الثقة البينية على قاعدة الاعتراف المتبادل والمساواة، وهذه الخطوة التي لا بدّ منها، قد تستغرق أمداً طويلاً، ربما عقوداً، تشترط، قبل كل شيء، مأسستها وتشريعها، كنهج ملزم للدولة السورية ومؤسساتها، أي الاتجاه نحو مؤسسات أكثر شمولاً، تحمي التنوع والتعدد في البلاد، وتضمن حقوق مختلف المكونات القومية والدينية تحميها، تمثلها جميعاً وتعبر عن مصالحها. حالئذ تكون الدولة مدعوة إلى التعاطي مع الأفراد على قاعدة المواطنة، لا على أساس الانحياز أو الولاء الديني أو المذهبي، أو القومي. هنا يبدأ التأسيس للمصالحة والتعايش، وللحديث بقية.
* أستاذ الفلسفة السياسية- جامعة كويا
الصباح العراقية










