المحامي والناشط الحقوقي: حسين نعسو
لا يكاد يخلو خطابٌ رسمي من الحديث عن الشراكة الوطنية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، حتى باتت هذه العبارات تتردد على الألسنة أكثر مما تتجسد في الواقع ، دون ادراكٍ منهم بان الدول لا تُقاس بخطاباتها، وإنما بسياساتها، ولا تُعرف حقيقة التزامها بمبادئ العدالة من خلال الشعارات، بل من خلال ممارساتها ومؤسساتها
فالشراكة الوطنية ليست مجرد مصطلح سياسي يُستهلك في المناسبات، وإنما هي مبدأ دستوري وقانوني يقوم على الاعتراف المتبادل بين جميع مكونات المجتمع، وعلى المشاركة المتكافئة في إدارة الدولة، وصنع القرار، وتولي الوظائف العامة، بعيداً عن أي شكل من أشكال التمييز أو الإقصاء أو الاحتكار
إن مبدأ المساواة أمام القانون، الذي نصّت عليه الشرائع السماوية، وأكدت عليه المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يفرض على الدولة أن تضمن تكافؤ الفرص لجميع مواطنيها، وأن تمتنع عن أي ممارسة تنطوي على التمييز بسبب القومية أو الدين أو المذهب أو الانتماء السياسي او الجنس ، فالمواطنة ليست منحة تمنحها السلطة لمن تشاء، وإنما حق أصيل يثبت لكل مواطن بحكم انتمائه إلى وطنه
ولو أردنا قياس مدى صدقية الخطابات الرسمية ، لوجدنا أن الوقائع تسير في اتجاه مغاير تماماً
فقد صدر مؤخراً المرسوم رقم (149) القاضي بتشكيل المحكمة الدستورية العليا، المؤلفة من سبعة أعضاء، دون أن تضم في عضويتها ممثلاً واحداً عن الشعب الكردي، رغم أنه يشكل ثاني أكبر مكوّن قومي في سوريا ، ولم تكن هذه السابقة الأولى، بل سبقتها تشكيلات أخرى، كـلجنة صياغة الدستور، ولجنة الحوار الوطني، والبعثات الدبلوماسية ، وهيئة رئاسة مجلس الشعب ، وغيرها من المناصب العليا في الدولة ، التي غاب عنها التمثيل الحقيقي للمكوّن الكردي، بما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بمبدأ الشراكة الوطنية الذي ترفعه السلطة شعاراً
وفي المقابل، يبدو أن الكرد حاضرون كلما تعلق الأمر بالإقصاء أو الاستبعاد
ولعل القرار الأخير الصادر عن وزارة العدل بعزل ثمانية وعشرين قاضياً من محاكم حلب، بذريعة إصدار أحكام ضد من تصفهم السلطة بـ”الثوار”، خير مثال على ذلك، إذ كان من بينهم أربعة قضاة أكراد، عُرف عدد منهم بالنزاهة والكفاءة والاستقامة، ويشهد لهم بذلك الخصوم قبل الاصدقاء
إن العدالة لا تتجزأ، والمساواة لا تُنتقى، وسيادة القانون تفقد معناها عندما تُطبق بمعايير مزدوجة ، فالدولة التي تسعى إلى بناء وطن يتسع لجميع أبنائه لا يمكن أن تستأثر مؤسساتها السيادية بمكوّن واحد، على حساب حرمان بقية المكونات من حقوقها المشروعة في المشاركة العادلة، ثم تطالبها في الوقت نفسه بتحمل الواجبات الوطنية كاملة
فكيف يمكن الحديث عن الشراكة، بينما يغيب أحد أهم المكونات الوطنية عن أهم مؤسسات الدولة ، ورمز من رموز سيادتها ، وهي المحكمة الدستورية العليا ؟؟؟
وكيف يمكن إقناع المواطنين بالمساواة، بينما تكشف التعيينات الرسمية، مرة بعد أخرى، عن اختلال واضح في معايير التمثيل؟؟؟
إن الشراكة ليست خطاباً إعلامياً، بل ممارسة سياسية ودستورية ،وهي لا تتحقق إلا بالاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، واحترام مبدأ تكافؤ الفرص، وضمان المشاركة العادلة في مؤسسات الدولة، وصيانة الحقوق والحريات دون تمييز او اقصاء
أما الإقصاء والتهميش، فلن ينتجا دولة مواطنة، بل سيعمّقان الشعور بالغبن، ويقوضان الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويضعفان أسس الاستقرار الوطني
إن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا تُدار بمنطق الأكثرية المستأثرة أو الإقصاء المنهجي، وإنما تُبنى على عقدٍ وطني جامع، يكون فيه جميع المواطنين شركاء متساوين في الحقوق والواجبات، وتحكمهم العدالة، وتحميهم سيادة القانون
فإذا كانت الشراكة تعني غياب مكوّنٍ أصيل عن مؤسسات الدولة، وإذا كانت المساواة تعني تكافؤ الواجبات دون تكافؤ الحقوق، فإن السؤال المشروع الذي هو:
عن أيِّ شراكةٍ تتحدثون ؟؟؟؟










