المحامي إسماعيل المحمد
تُعَدُّ العدالة الانتقاليَّة أحد أهمّ المسارات التي تعتمدها الدُّول الخارجة من النزاعات المسلَّحة، سواءٌ كانت داخليَّةً أو دوليَّةً، أو من حقب الاستبداد، بهدف إدارة مرحلة التحوُّل السياسيّ عبر انتقالٍ سلسٍ من حالة العنف والفوضى إلى الاستقرار وبناء دولة القانون.
إنَّ العدالة الانتقاليَّة لا تقتصر على كونها مساراً لإنصاف الضحايا أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تتجاوز ذلك إلى كونها عمليَّةً سياسيَّةً ـ قانونيَّةً ـ اجتماعيَّةً شاملةً تهدف إلى معالجة إرث الماضي ومنع إعادة إنتاجِه في المستقبل.
في الحالة السوريَّة، تكتسب العدالة الانتقاليَّة أهميَّةً استثنائيَّةً بسبب الطبيعة المعقَّدة للأزمة السوريَّة. فالمسألة لا ترتبط فقط بما نتج عن الصراع منذ عام 2011 من انتهاكاتٍ واسعةٍ ودمارٍ هائلٍ وتهجيرٍ قسريٍّ وقتلٍ منظَّمٍ وانقساماتٍ مجتمعيَّةٍ، بل تمتدُّ إلى عقودٍ طويلةٍ من الحكم الاستبداديّ الذي قام على احتكار السلطة، وتهميش المجتمع، وإضعاف المؤسَّسات، وتحويل الدولة إلى أداةٍ للهيمنة السياسيَّة والأمنيَّة. وقد ازدادت هذه التعقيدات بفعل تعدُّد الفاعلين المحليّين سياسيّاً وعسكريّاً، وتداخل الأدوار الإقليميَّة والدوليَّة، الأمر الذي جعل مسار العدالة الانتقاليَّة مرتبطاً بشكلٍ مباشرٍ بمآلات الحلّ السياسيّ في البلاد.
فالعدالة الانتقاليَّة في سوريا لا يمكن فصلها عن طبيعة التسوية السياسيَّة المقبلة. إذ إنَّ أيَّ تسويةٍ تُبنى على تقاسم النفوذ بين القوى المتصارعة، من دون معالجة حقيقيَّة لجذور الأزمة البنيويَّة، قد تؤدّي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأشكالٍ جديدةٍ. لذلك، فإنَّ العدالة الانتقاليَّة يجب أن تكون جزءاً من مشروعٍ وطنيٍّ شاملٍ لإعادة تأسيس الدولة على أسسٍ ديمقراطيَّةٍ، وليس مجرَّد إجراءٍ قانونيٍّ محدودٍ أو أداةً لتصفية الحسابات السياسيَّة.
يقوم مسار العدالة الانتقاليَّة على مجموعةٍ من الأركان المتكاملة التي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، يأتي في مقدّمتها كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات التي ارتُكِبت بحقّ السوريّين، سواءٌ من قِبل مؤسَّسات الدولة أو من قِبل مختلف القوى المتورّطة في النزاع. فمعرفة الحقيقة تمثّل حقّاً للضحايا وواجباً على الدولة، وتُعَدُّ مدخلاً ضروريّاً لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبوها، تحقيقاً لمبدأ “عدم الإفلات من العقاب” سواءٌ عبر القضاء الوطنيّ بعد إعادة بنائه على أسس الاستقلال والنزاهة، أو من خلال الآليّات القضائيَّة الدوليَّة استناداً إلى مبدأ ” الولاية القضائيَّة العالميَّة ” بما يعزّز من فرص تحقيق العدالة.
إلى جانب ذلك يشكّل جبر الضرر أحد العناصر الجوهريَّة في العدالة الانتقاليَّة، وهو لا يقتصر على التعويض المادّيّ، بل يشمل اعترافاً رسميّاً من الجناة بالانتهاكات، وتقديم الاعتذار للضحايا، وردَّ الاعتبار لهم، والكشف عن مصير المفقودين والمعتقلين، وتقديم الدعم النفسيّ والاجتماعيّ للمتضرّرين، ولا سيَّما للفئات الأكثر تضرُّراً مثل النساء والأطفال.
أمَّا المصالحة الوطنيَّة فهي مرحلةٌ متقدّمةٌ في مسار العدالة الانتقاليَّة، لا تقتصر على كونها مجرَّد دعوةٍ أخلاقيَّةٍ للتسامح، بل هي عمليَّةٌ سياسيَّةٌ واجتماعيَّةٌ معقَّدةٌ تتطلَّب معالجة أسباب الانقسام المجتمعيّ، ومواجهة خطاب الكراهية، ونبذ الانتقام والتنمُّر، وإعادة بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع السوريّ من جهةٍ، وبين المواطنين ومؤسَّسات الدولة من جهةٍ أخرى تمهيداً لإطلاق حوارٍ وطنيٍّ شاملٍ.
أمَّا البُعد السياسيُّ الأهمُّ للعدالة الانتقاليَّة فيتمثَّل في إعادة هيكلة مؤسَّسات الدولة على قاعدة ” عدم العود ” عبر إصلاح المؤسَّسات الأمنيَّة والعسكريَّة والقضائيَّة والتشريعيَّة التي ارتبطت تاريخيّاً بإنتاج الاستبداد وانتهاك الحقوق، والشروع بإصلاحٍ دستوريٍّ يؤسِّس لعقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ قائمٍ على ” مبدأ الفصل بين السلطات ” والتعدديَّة السياسيَّة، والاعتراف بالتنوُّع القوميّ والدينيّ والثقافيّ في سوريا، ضمن إطارٍ وطنيٍّ جامعٍ، وصولاً إلى نظامٍ ديمقراطيٍّ لا مركزيٍّ.
تواجه العدالة الانتقاليَّة في سوريا تحدّيات كبيرة، أبرزُها استمرار الانقسام السياسيّ والمجتمعيّ، وتضارب مصالح القوى الإقليميَّة والدوليَّة الداخلة في الأزمة السوريَّة، وغياب توافقٍ وطنيٍّ شاملٍ حول شكل الدولة المستقبليَّة، وتصاعد خطاب الكراهية، وضعف استقلال القضاء وتبعيَّته للسلطة التنفيذيَّة والأجهزة الأمنيَّة، وتداخل السلطات الثلاث، وغياب الفصل الواضح بينها. كما أنَّ بعض القوى السياسيَّة قد تسعى إلى توظيف ملفّ العدالة الانتقاليَّة لخدمة مصالحِها الخاصَّة، أو فرض مقارباتٍ انتقائيَّةٍ للمحاسبة، وهو ما قد يهدّد شرعيَّة العمليَّة برمَّتها.
إضافةً إلى ذلك، فإنَّ التدهور الاقتصاديَّ الكبير، ومحدوديَّة الموارد الاقتصاديَّة لجبر الضرر، ووجود ملايين اللاجئين والنازحين، واستمرار هشاشة المؤسَّسات، كلُّها عوامل تجعل تنفيذ برامج العدالة الانتقاليَّة أكثر تعقيداً، لكنَّها لا تُلغي ضرورتها.
في مواجهة التحدّيات، تبرز مجموعةٌ من الآليّات التي يمكن أن تُسهم في تفعيل مسار العدالة الانتقاليَّة، ويأتي في مقدّمتها إصلاح النظام القضائيّ وضمان استقلاليَّته ونزاهته، ومواءمة التشريعات الوطنيَّة مع القانون الدوليّ الجنائيّ. كما يُعَدُّ إشراك جميع مكوّنات المجتمع في عمليَّة المصالحة الوطنيَّة شرطاً أساسيّاً لنجاحها، إلى جانب ربط هذه المصالحة بمسار العدالة الانتقاليَّة.
في المحصّلة، لا يمكن النظر إلى العدالة الانتقاليَّة في سوريا باعتبارها ملفّاً قانونيّاً منفصلاً عن المسار السياسيّ، بل هي جزءٌ أساسيٌّ من عمليَّة إعادة بناء الدولة السوريَّة. فنجاح أيّ حلٍّ سياسيٍّ مستدامٍ يبقى مرهوناً بقدرة السوريّين على معالجة إرث الاستبداد والحرب، وبناء نظامٍ سياسيٍّ جديدٍ يقوم على العدالة، والمشاركة السياسيَّة، وسيادة القانون. ومن دون ذلك ستبقى احتمالات العودة إلى العنف وعدم الاستقرار قائمةً، حتّى وإن توقَّفت الحرب عسكريّاً.











