السويداء والعدالة الانتقالية: من المحاسبة إلى إعادة بناء الثقة الوطنية

تكبير الصورة

تقف السويداء اليوم أمام منعطف تاريخي بالغ الأهمية، تتقاطع فيه آثار الألم الجماعي مع فرص بناء مسار مؤسسي جديد يعيد ترميم العلاقة بين المجتمع والدولة. وفي هذا السياق، لا يقتصر الحديث عن العدالة على الاستجابة القانونية للانتهاكات أو ملاحقة مرتكبيها، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس أكثر متانة وعدالة. فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست مجرد إجراء قضائي أو مسار قانوني، وإنما عملية سياسية ومجتمعية تهدف إلى تفكيك ثقافة الإفلات من العقاب وإرساء قواعد جديدة للمساءلة والشفافية.

وتبرز خصوصية السويداء في أنها تطرح سؤالاً مركزياً يتعلق بكيفية الانتقال من مفهوم العدالة الجزائية الضيق إلى مفهوم أوسع للعدالة الوطنية الشاملة، القادرة على استيعاب التنوع المجتمعي وتعزيز التماسك الاجتماعي. فالتحدي لا يتمثل فقط في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل في بناء نموذج عدالة يتجاوز ثنائية الضحية والجلاد، ليضع المجتمع بأكمله في قلب عملية الإصلاح وإعادة البناء.

ويفرض هذا الواقع قراءة دقيقة للخصوصيات الاجتماعية والتاريخية التي تتميز بها المحافظة، بما يستدعي صياغة نموذج عدالة يستند إلى السياق المحلي ولا يكتفي باستنساخ تجارب أو آليات جاهزة. فالحقيقة وجبر الضرر والمصالحة والإصلاح المؤسسي ليست مسارات منفصلة، بل مكونات مترابطة ضمن رؤية متكاملة تستهدف معالجة آثار الماضي ومنع تكرارها في المستقبل.

وفي هذا الإطار، يرى المحامي والخبير القانوني فادي الشاعر أن العدالة الانتقالية في السويداء لا يمكن أن تُبنى على قاعدة قانونية ضيقة تقتصر على المحاسبة الجزائية، بل ينبغي أن تنطلق من رؤية استراتيجية أوسع تدرك أن العدالة الوطنية تشكل الأساس الذي تستند إليه مختلف أشكال العدالة الأخرى. ويؤكد أن القانون الجنائي، مهما بلغت دقته، يبقى عاجزاً عن استيعاب حجم الأزمة عندما تطال الانتهاكات النسيج الاجتماعي بأكمله.

ويشير الشاعر إلى أن السويداء ليست مجرد منطقة تعرضت لانتهاكات، بل فضاء اجتماعي يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناته من جهة، وبين المجتمع والسلطة الحالية من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، يميز بين مستويين متكاملين للعدالة؛ الأول يتعلق بالعدالة الجزائية التي تعالج الانتهاكات الفردية الجسيمة، والثاني يرتبط بالعدالة الهيكلية التي تستهدف إصلاح المؤسسات والبنى التي سمحت بوقوع تلك الانتهاكات. فبرأيه، لا تكتمل العدالة بمحاكمة الفاعلين فقط، وإنما بإصلاح البيئة التي أنتجت تلك الممارسات ومكّنتها من الاستمرار.

ويشدد الشاعر على أهمية اعتماد آليات شفافة لكشف الحقيقة، لا تقتصر على توثيق ما جرى، بل تمتد إلى تفسير كيفية حدوثه والأسباب التي سمحت بوقوعه. ففهم آليات الانتهاك يمثل، في نظره، ضمانة أساسية لمنع تكراره مستقبلاً. كما يرى أن نجاح العدالة الانتقالية يتجسد في قدرتها على تحويل شهادات الضحايا من مجرد أدلة قضائية إلى جزء من الذاكرة الوطنية الجامعة، بما يساهم في إعادة كتابة السردية المجتمعية على أسس أكثر إنصافاً. ويؤكد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مؤسسات وطنية تحظى بالمصداقية والثقة، لأن الملكية الوطنية لمسار العدالة تبقى الشرط الأول لاستدامته. ويخلص إلى أن السويداء تمتلك فرصة لتقديم نموذج يجمع بين العمق القانوني والحساسية السياسية، شرط أن تبقى العدالة في خدمة التماسك الوطني لا في خدمة الانقسام.

من جانبه، يرى المحامي عصام اللباد أن التحدي الأبرز يكمن في جعل العدالة أداة للمصالحة المجتمعية لا وسيلة لإعادة إنتاج الصراعات والخصومات. ويؤكد أن العدالة الانتقالية تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة للانتقام، بينما تنجح عندما تصبح جسراً للتعايش وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

ويضيف أن رفض الانتقام لا يعني التساهل مع الإفلات من العقاب، بل يعكس إدراكاً بأن العقوبات الجزائية وحدها لا تكفي لمعالجة الجراح العميقة التي خلفتها الانتهاكات. ولذلك، يدعو إلى تضمين أي إطار للعدالة الانتقالية آليات فعالة للتعويض المادي والمعنوي، بما ينصف الضحايا ويعترف بمعاناتهم.

كما يؤكد اللباد أن العدالة المتماسكة تتطلب الانتقال من مفهوم “الضحية الفرد” إلى مفهوم “المجتمع الضحية”، الأمر الذي يفرض إعادة تعريف العدالة باعتبارها عملية لإعادة توزيع الحقوق والفرص والاعتراف، وليس مجرد توزيع للعقوبات. ويرى أن الخصوصية الاجتماعية للسويداء توفر مقومات مهمة لتطوير نموذج يستند إلى العدالة التصالحية دون التخلي عن مبدأ المحاسبة، مع إمكانية اضطلاع المجالس المحلية والهيئات المجتمعية بدور فاعل في صياغة مفاهيم محلية للعدالة تنسجم مع القيم المجتمعية ومتطلبات المرحلة.

ويشدد اللباد على أن أي مسار للعدالة في السويداء يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني شامل، لا تجربة معزولة أو محصورة ضمن حدود جغرافية ضيقة. فالعدالة المناطقية، مهما حققت من نتائج، تبقى عرضة للهشاشة ما لم تندرج ضمن إطار وطني جامع يقوم على دولة مدنية تضمن الحقوق على أساس المواطنة المتساوية. ويختتم بالتأكيد على أن السويداء قادرة على أن تقدم نموذجاً للعدالة المنتجة للتماسك والاستقرار، شرط أن تستند إلى الشفافية والمشاركة المجتمعية والإرادة السياسية الجادة.

وفي المحصلة، تطرح السويداء اليوم نموذجاً للعدالة لا يسعى إلى تحقيق الكمال النظري بقدر ما يبحث عن الفاعلية السياسية والمجتمعية. فالعدالة الانتقالية ليست نهاية للصراع بقدر ما هي إدارة له عبر أدوات قانونية ومؤسسية تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة أكثر استقراراً. أما التماسك الوطني، الذي يبقى الهدف الأسمى لأي عملية انتقالية، فلا يُبنى على محو الذاكرة أو تجاهلها، بل على إدارتها بشفافية ومسؤولية، بما يحولها من مصدر للانقسام والاستثمار السياسي إلى رافعة للمصالحة وإعادة بناء المجتمع.

عمر صحناوي – السويداء

المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”

 

× Zoomed Image
Scroll to Top