من صيدنايا الأسد إلى صيدنايا الجولاني

د. محمود عباس

ما يجري اليوم يفضح زيف الادعاءات حول “التغيير” في دمشق. حكومة الجولاني ومنظماتها المسلحة لا تحرّر سوريا، بل تحرّر الدواعش من سجون الإدارة الذاتية، فيما تُعاد هندسة سجون جديدة على شاكلة صيدنايا، لا لجلادي الأمس، بل لأبناء المكوّنات السورية، وللشعب الكوردي على وجه الخصوص.

ومع هذه الوقائع، تعود مشاهد قطع الرؤوس إلى الواجهة، لا بوصفها حوادث معزولة، بل كمنهجٍ يتسرّب من جديد إلى جسد السلطة وسلوك جيشها والفصائل التكفيرية المنضوية تحت رايتها.

لم يتغيّر النظام في دمشق؛ الذي تغيّر هو الرجل الذي يدور في أروقة القصر الجمهوري. أمّا البنية العميقة للسلطة، وقواها المدمّرة لسوريا، فلم تتبدّل؛ تغيّرت الوجوه فقط. كانوا بلا لحى، واليوم بلحى كثيفة وبدون شوارب؛ تغيّرت الملابس والخطاب، لكن الأهداف ذاتها.

العقول نفسها، الدماغ الموبوء ذاته، غير أن نوعية الوباء تبدّلت: كان الاستبداد سابقًا مغطّى بشعارات “الدولة”، واليوم يُغلَّف بخطاب “الدين”.

في السابق، كان العداء موجّهًا إلى كل معارضة حقيقية وإلى الشعب الكوردي بوصفه قضية قومية. اليوم يتفاقم العداء المذهبي، ويُستعاد الاستهداف الكوردي بأدوات أكثر خبثًا، تحت ذرائع دينية وطائفية، وبغطاء سياسي مزيّف.

إنها سلطة تُبدّل جلدها لا جوهرها، وتعيد إنتاج العنف بأشكال أشدّ توحشًا، حيث يُكافأ الإرهاب بالإفراج، ويُعاقَب التنوع بالسجن، ويُعاد تعريف “الأمن” بوصفه قمعًا، و“الدولة” بوصفها سيفًا على رقاب المختلفين.

ما نشهده ليس انتقالًا سياسيًا، بل استبدال جلادٍ بجلاد، ومنهج قمعٍ بمنهج قمعٍ أشدّ ظلامًا، والنتيجة واحدة، سوريا تُقاد مجددًا إلى الهاوية، والشعب الكوردي في مرمى الاستهداف، مرةً باسم الدولة، ومرةً باسم العقيدة.

 ما يجري في سوريا اليوم ليس انتقالًا سياسيًا، بل إعادة تدوير للعنف باسم جديد. وكل صمت دولي إزاء هذا التحول، هو شراكة غير معلنة في الجريمة.

الولايات المتحدة الأمريكية

19/1/2026م

Scroll to Top