نورالدين عمر
يشكل انتهاء تجربة “الإدارة الذاتية” وقوات سوريا الديمقراطية محطة استثنائية تستدعي الوقوف عندها بقراءة عقلانية منصفة، تتجاوز شحن التحزب وضغائن الخصومة، وتترفع في الوقت ذاته عن أوهام التقديس.
هذه التجربة، بحسناتها وسيئاتها، تجسد مرحلة حيوية في تاريخ الكرد في سوريا وحاضرهم ومستقبلهم. ولا يعني إنتهاء هذا النموذج التنظيمي بحال من الأحوال نهاية النضال الكردي المشروع من أجل تحقيق الحقوق في دولة ديمقراطية تعددية واتحادية؛ إذ إن الإخفاق لم يكن وليد الأخطاء الذاتية فحسب، بل جاء حصيلة تقاطعات وإرادات إقليمية ودولية تسارعت لإنهاء هذه المرحلة. غير أن كل نهاية تحمل في طياتها فرصة لبداية أكثر نضجاً ورسوخاً، بشرط استيعاب الدروس واستخلاص العبر.
لقد شهدت السنوات الماضية نقداً وملاحظات عديدة طرحها كتاب ومثقفون كرد، محذرين من ممارسات أضعفت بنيان الإدارة وأدت إلى تآكل مشروعها من الداخل دون أن تحظى بالاهتمام الكافي من مسؤوليها.
وتجلت أبرز تلك الاختلالات في الاستحواذ التنظيمي والهيمنة الحزبية التي أخضعت المؤسسات لكوادر بعينها، مفرغة مبدأ التشاركية من مضمونه الفعلي ليتحول إلى واجهات شكلية. يضاف إلى ذلك تغييب الكفاءات وتقديم الولاء الأيديولوجي على الخبرة والمقدرة، مما أدى إلى استنزاف الموارد في ظل غياب الشفافية والرقابة المالية.
كما أسهم احتكار الاقتصاد وتقويض المبادرات المستقلة للقطاع الخاص في خنق المشاريع الأهلية وإرهاق المجتمع. يُضاف إلى هذه العوامل الجمود العقائدي والانفصال عن الواقع المحلي والدولي، وممارسة مركزية صارمة تناقض شعارات اللامركزية والتشاركية التي كانت ترفعها، حيث أُقصي الرأي الآخر وتوطدت سياسة مكافأة المصفقين وتهميش الناقدين.
كما يتحمل الحركة الكردية عامة مسؤولية ما حصل بمواقفها البعيدة عن الروح الوطنية، ومعاداة البعض منها لهذه التجربة واتهامها بشتى التهم التي لم تكن في صالح الكرد.
يبقى المهم اليوم ليس البكاء على الأطلال أو تبادل الاتهامات، بل استثمار هذه المحطة المفصلية للانتقال بالنضال الكردي إلى مرحلة جديدة أكثر واقعية وتأثيراً. تبدأ هذه المرحلة بتوحيد الطاقات السياسية والثقافية والاجتماعية لتشكيل جبهة كردية متماسكة قادرة على تفاوض متكافئ مع دمشق، يضمن حقوق الشعب الكردي ضمن سوريا الاتحادية التعددية، ويرفض الاستسلام لشروط السلطة أو القبول بالحلول الجزئية. ينبغي المضي قدماً في صون الهوية الثقافية واللغة الكردية، وضمان أن تبقى قوات وأجهزة أمنية من أبناء المنطقة هي التي تحفظ أمنها واستقرارها بالتنسيق مع المركز.
إن نجاح المسار القادم يستوجب مشاركة كردية واسعة وشاملة ممثلة لجميع القوى والفعاليات في مؤسسات الدولة، ودعم الخطوات التي يقودها مستشار الرئاسة السورية مظلوم عبدي والمسؤول عن الملف الكردي من جهة ودعم خطوات نواب الكرد في مجلس الشعب، لضمان تمثيل عادل للحقوق الكردية في اللجان الدستورية والقانونية ومفاصل القرار.
ختاماً، إن المسيرة الكردية لم تبدأ بظهور “قسد” أو “الإدارة الذاتية”، ولا بظهور أول أشكال التنظيم السياسي، ولن تتوقف عند انتهاء أي تجربة أو حركة. إن الحقوق العادلة للشعوب لا تسقط بانتهاء الأطر التنظيمية، والمرحلة الراهنة ليست سوى بداية لمسار أكثر نضجاً إذا ما أحسن الكرد استغلال فرصه وبناء تحالفاتهم برؤية واقعية تجمع الشمل وتستشرف المستقبل.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






