دجوار أحمد آغا
من مادن بدأت الحكاية
هناك شخصيات يصعب اختصار حياتها في تاريخ ولادة ووفاة، أو في المناصب التي شغلتها والكتب التي تركتها؛ لأن مسيرتها تتحول بمرور الزمن إلى جزء من تاريخ شعب بأكمله. تصبح حياتها مرآة لمرحلة تاريخية بما حملته من أحلام وآمال، وقمع وملاحقة، ونضالات ومناف. ومن هذه الشخصيات يبرز اسم الدكتور نور الدين زازا، أحد أبرز المثقفين والسياسيين الكرد في القرن العشرين، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها ببدايات التنظيم السياسي الكردي الحديث في سوريا.
ولد الدكتور نور الدين زازا في 15 شباط 1919 في مادن، في منطقة تقع بين آمد وألازيغ في باكور كردستان، ونشأ في أسرة كردية عرفت باهتمامها بالشأن العام. ولم تكن طفولته بعيدة عن التحولات السياسية العاصفة التي شهدتها المنطقة بعد انهيار الدولة العثمانية وصعود الجمهورية التركية.
في سن مبكرة، تذوق زازا معنى الملاحقة السياسية والمنفى؛ فقد تعرض أفراد من أسرته للاعتقال والملاحقة بسبب صلاتهم بالحركة الكردية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين انتقل إلى سوريا برفقة شقيقه الدكتور أحمد نافذ زازا، ليبدأ منذ ذلك الوقت مساراً سترافقه مفردات الوطن والمنفى والهوية طوال حياته. وتشير المصادر إلى أن الشقيقين زازا؛ وجدا في سوريا دعماً من أوساط كردية، ولا سيما من عائلة بدرخان التي كانت قد جعلت من دمشق مركزاً مهماً للنشاط الثقافي الكردي. لم يكن انتقاله إلى سوريا مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان انتقالاً إلى فضاء جديد سمح له بالتعرف بصورة أوسع على الحركة الثقافية والسياسية الكردية، وعلى نخبة من المثقفين والناشطين الذين كانوا يعملون على إحياء اللغة الكردية وتعزيز الوعي القومي. وهكذا بدأت ملامح شخصية زازا بالتشكل مبكراً، كردي عاش تجربة الاقتلاع، ومثقف وجد في المعرفة وسيلة للمقاومة، وسياسي رأى أن الهوية تحتاج إلى وعي وتنظيم حتى تتحول إلى قوة تاريخية.
التعليم بوابة إلى الوعي
كان زازا يؤمن بأن النضال من أجل حقوق الشعب الكردي لا يمكن أن يقوم على العمل السياسي وحده، وأن التعليم والثقافة واللغة تشكل أساساً لأي مشروع نهضوي طويل الأمد. تابع دراسته في سوريا، ثم انتقل إلى بيروت، حيث درس العلوم السياسية وحصل على شهادته الجامعية عام 1947. وبعد ذلك توجه إلى سويسرا لمتابعة دراسته العليا، وهناك دخل مرحلة جديدة من حياته امتزج فيها التحصيل الأكاديمي بالنشاط السياسي والثقافي. وفي أوروبا لم يتحول زازا إلى طالب منعزل عن قضايا شعبه، بل ظل على اتصال بالحركة الكردية، وسعى إلى تعريف الأوساط الأوروبية بالقضية الكردية.
في عام 1949 شارك مع عدد من الطلبة الكرد في تأسيس جمعية الطلبة الكرد في أوروبا، وتولى رئاستها، كما ارتبط نشاطها بإصدار مجلة “صوت كردستان”. في عام 1956 حصل على الدكتوراه، وتذكر مصادر عدة أن تخصصه ارتبط بالعلوم التربوية والفلسفة، وأن أطروحته تناولت أفكار الفيلسوف الفرنسي إيمانويل مونييه. وبعد حصوله على الدكتوراه عاد إلى سوريا، حاملاً معه تجربة أكاديمية وسياسية أوروبية. لكن؛ أيضاً قناعة بأن الحركة الكردية تحتاج إلى الانتقال من النشاط الثقافي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم.
بين السياسة والثقافة
لم يكن نور الدين زازا سياسياً بالمعنى الحزبي الضيق، فقد ظل طوال حياته قريباً من الثقافة والأدب واللغة. ارتبط في مراحل مبكرة بالحركة الثقافية الكردية، وكتب في مجلة “هاوار” التي أسسها جلادت بدرخان، وساهم في النشاط الذي كان يستهدف تطوير اللغة الكردية وإحياء استخدامها في الأدب والصحافة. كما ارتبط اسمه بأوساط خويبون والنشاط الثقافي والسياسي الكردي الذي سبق تأسيس الأحزاب الحديثة. وتشير المصادر إلى أنه كان من الشخصيات التي ساهمت في إيصال القضية الكردية إلى الأوساط الأوروبية.
وكانت رؤيته للقضية الكردية أوسع من المطالبة السياسية المباشرة؛ فقد تعامل معها بوصفها قضية شعب له لغة وتاريخ وذاكرة وهوية وحق في التعبير عن ذاته. من هنا جاءت أهمية تجربته: فهو لم يفصل بين الثقافة والسياسة، ولا بين التعليم والتحرر، ولا بين الهوية والتنظيم. كان يرى أن شعباً لا يمتلك أدوات المعرفة والتنظيم والتعبير عن ذاته يبقى معرضاً لأن تكتب القوى الأخرى تاريخه نيابة عنه.
الطريق إلى الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا
اواسط خمسينات القرن العشرين بدأت الحياة السياسية الكردية في سوريا تشهد مرحلة جديدة. فبعد عقود من النشاط الثقافي والجمعيات والروابط والشخصيات المستقلة، برزت الحاجة إلى تأسيس إطار سياسي كردي منظم يستطيع التعبير عن المطالب القومية للكرد في سوريا. وفي 14 حزيران 1957 أُسِّس الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا، الذي أصبح لاحقاً أحد أهم الأحزاب في تاريخ الحركة السياسية الكردية السورية. وتشير مصادر الحزب إلى أن من بين المؤسسين الأوائل أوصمان صبري، حمزة نويران، محمد علي خوجة، رشيد حمو، شوكت حنان، خليل محمد، الشيخ محمد عيسى، وعبد الحميد درويش. أما نور الدين زازا، فتشير هذه المصادر إلى أنه كان من الداعمين للمشروع والمساهمين في صياغة برنامجه السياسي قبل التأسيس، لكنه انضم رسمياً إلى الحزب عام 1958، ثم أصبح رئيسه الأول.
السجن لم يقطع الطريق
مع قيام الوحدة السورية المصرية عام 1958، ثم تصاعد التضييق على النشاط السياسي، تعرضت قيادة الحزب للاعتقال عام 1960. وكان زازا من أبرز المعتقلين، وقد استغل فترة محاكمته للدفاع عن رؤيته السياسية والحقوق القومية للكرد. كان السجن والملاحقة جزءاً من حياة نور الدين زازا السياسية، ولم تبدأ هذه التجربة مع تأسيس الحزب فقط. ففي أربعينيات القرن العشرين اعتُقل في العراق، حيث قضى فترة في السجن قبل انتقاله إلى لبنان لمتابعة دراسته. ثم تعرض للاعتقال في سوريا بعد نشاطه السياسي والحزبي، ولا سيما خلال مرحلة الوحدة السورية المصرية. وبعد اعتقاله عام 1960، واجه زازا لاحقاً سلسلة جديدة من الضغوط والاعتقالات والملاحقات. وتشير مصادر إلى تعرضه للاعتقال مجدداً في ستينيات القرن الماضي، كما ارتبطت بعض مراحل ملاحقته بمواقفه من القضية الكردية في العراق. وفي عام 1966 تعرض للاعتقال في لبنان، ثم دخل في سلسلة من التنقلات القسرية بين بلدان المنطقة. لكن؛ السجن بالنسبة إليه لم يكن نهاية الطريق.
حين يتحول الدفاع عن النفس إلى الدفاع عن الشعب
لم يكن نور الدين زازا ينظر إلى محاكمته بوصفها مجرد قضية شخصية تتعلق بالاعتقال أو الاتهام، بل وجد فيها فرصة لشرح القضية الكردية ووضعها أمام الرأي العام والسلطات السورية من زاوية سياسية وحقوقية. وخلال محاكمته أمام محكمة أمن الدولة العسكرية في دمشق عام 1960، قدم مذكرة دفاعية مهمة عبّر فيها عن رؤيته للقضية الكردية وموقفه من حقوق الكرد في سوريا. ولم يكن هدفه، كما تعكس مواقفه، الدفاع عن نفسه فحسب، بل توضيح أن المطالبة بالحقوق القومية والثقافية للكرد لا تعني بالضرورة الانفصال عن سوريا، وإنما يمكن أن تكون جزءاً من بناء دولة تقوم على الاعتراف بالتنوع والمساواة بين مواطنيها.
تكشف هذه المذكرة جانباً مهماً من فكر زازا السياسي؛ فقد كان يحاول نقل القضية الكردية من دائرة الاتهام الأمني إلى دائرة النقاش السياسي والحقوقي. ففي الوقت الذي كانت فيه السلطات تتعامل مع النشاط الكردي بوصفه خطراً على وحدة الدولة، كان زازا يسعى إلى التأكيد أن الاعتراف بالوجود الكردي وحقوقه لا يتناقض مع الانتماء إلى سوريا، بل يمكن أن يشكل أساساً لعلاقة أكثر استقراراً بين الدولة ومواطنيها الكرد.
من دمشق إلى المنفى الأوروبي
مع تصاعد الضغوط السياسية والأمنية، أصبح بقاء زازا في سوريا أكثر صعوبة، انتهى بالعودة إلى سويسرا عام 1970. هذه المرة لم يكن طالباً يبحث عن العلم، بل مثقفاً وسياسياً كردياً يحمل وراءه تجربة طويلة من السجن والملاحقة والصراع والمنفى. استقر في مدينة لوزان، وواصل الكتابة والنشاط الثقافي والسياسي، وشارك في جهود التعريف بالقضية الكردية، كما ارتبط اسمه لاحقاً بالعمل الثقافي الكردي في أوروبا وبالمعهد الكردي في باريس الذي أصبح أحد الأعضاء المؤسسين له. في هذه المرحلة التقى الصحفية والكاتبة السويسرية جيلبرت فافر، المهتمة بشؤون الشرق الأوسط والقضايا الثقافية والسياسية في المنطقة، حيث تزوجا عام 1972، وأنجبا ابنهما شنكو. شكلت جيلبرت رفيقة حياة وداعمة لمسيرته الفكرية والثقافية، وظلت بعد رحيله حاضرة في فعاليات إحياء ذكراه والحفاظ على إرثه.
كان المنفى بالنسبة إلى زازا مفارقة قاسية؛ فقد وفر له هامشاً أوسع للكتابة والتعبير، لكنه في الوقت نفسه حرمه من العودة إلى المكان الذي ظل حاضراً في ذاكرته بوصفه الوطن والقضية.
“حياتي الكردية”.. الذاكرة في مواجهة النسيان
لم يكتفِ زازا بالنشاط السياسي والثقافي، بل أدرك أهمية أن يترك للأجيال شهادة مكتوبة على زمنه. ومن أبرز أعماله كتابه “حياتي الكردية”، الذي صدر بالفرنسية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. يُعد الكتاب من أهم النصوص التي تركها زازا حول حياته وتجربته السياسية والقضية الكردية، تكمن أهميته في أنه يتجاوز حدود السيرة الشخصية. إنه شهادة على جيل عاش التحولات الكبرى التي عرفتها الحركة الكردية في النصف الأول والثاني من القرن العشرين، من مرحلة الجمعيات والنشاط الثقافي إلى مرحلة التنظيم السياسي والحزبي، ومن السجون والملاحقات إلى المنافي الأوروبية.
يستعيد زازا في الكتاب، محطات من طفولته، تجربة المنفى، الدراسة، النشاط السياسي، العلاقة بالوسط الثقافي الكردي، تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، ثم سنوات السجن والملاحقة. وهكذا تصبح السيرة الفردية وثيقة جماعية؛ فحين يكتب زازا عن نفسه، فإنه في الوقت نفسه يكتب عن جيل كامل عاش الوضع الكردي في زمن لم تكن فيه للكرد دولة تحمي وجودهم، ولا مساحة سياسية مستقرة للتعبير عن حقوقهم. كما ترك زازا أعمالاً أدبية وثقافية أخرى، وكتب وترجم باللغات الكردية والفرنسية والعربية، وأسهم في التعريف بالأدب والثقافة الكردية في الأوساط الأوروبية.
السنوات الأخيرة.. والرحيل
في سنواته الأخيرة، ظل نور الدين زازا وفياً للقضية التي رافقته منذ شبابه. كان قد قطع مسافة طويلة بين مادن ودمشق وبيروت ولوزان؛ بين المدرسة والجامعة، وبين الحزب والسجن، وبين الوطن والمنفى. ومع ذلك لم يتحول المنفى إلى قطيعة مع هويته، بل أصبح فضاءً لمواصلة الكتابة والتعريف بالقضية الكردية. أصيب زازا بالسرطان في سنواته الأخيرة، وتوفي في السابع من تشرين الأول 1988 في مدينة لوزان السويسرية، عن عمر ناهز التاسعة والستين، ودُفن فيها. رحل الرجل الذي أمضى جزءاً كبيراً من حياته بعيداً عن وطنه، لكنه لم يغادر القضية التي حملها معه أينما ذهب.
نور الدين زازا.. حين تتحول السيرة ذاكرة شعب
لم يكن نور الدين زازا قائداً عسكرياً، ولا صاحب سلطة أو دولة، ولم تكن حياته مستقرة. لكنه؛ كان واحداً من المثقفين الذين أدركوا مبكراً أن بقاء الشعوب لا يتوقف على القوة وحدها، بل يحتاج إلى المعرفة والوعي والثقافة والتنظيم والقدرة على التعبير عن الذات. تكمن أهمية تجربته في أنه جمع في شخصيته بين المثقف والسياسي والأكاديمي والكاتب والمناضل. حمل القضية الكردية من تجربة الطفولة والمنفى إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى النشاط الثقافي، ومن النشاط الثقافي إلى التنظيم السياسي، ومن الحزب إلى السجن والمنفى الأوروبي، ثم نقل جانباً من هذه التجربة إلى الكتابة لتبقى شاهدة على زمنه.
ختاماً يمكننا القول
صحيح؛ رحل الدكتور نور الدين زازا جسداً، لكنه بقي فكراً وآراء في الكتب والذاكرة والمؤسسات وفي مسار الحركة السياسية الكردية السورية. فقد عاش زازا في زمن كانت فيه الهوية الكردية محاصرة سياسياً وثقافياً، فاختار أن يجعل من العلم واللغة والكتابة والتنظيم السياسي أدوات للمواجهة. وحين أُغلقت أمامه أبواب الوطن، لم يتخلَّ عن قضيته، بل حملها معه إلى المنفى، وحين ضاقت مساحة السياسة، اتسعت مساحة الكتابة. لهذا؛ فإن استعادة سيرة نور الدين زازا استعادة مرحلة من تاريخ الحركة الكردية، بما حملته من آمال وتضحيات وانقسامات وملاحقات ومنافٍ.
صحيفة روناهي
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.








