هل نُعلّم أبناءنا… أم نُدرّبهم على الامتحان؟

تكبير الصورة

فرست عبدالرحمن مصطفى

استوقفتني كلماتٌ كتبتها إحدى المدرسات المخلصات لمهنتها تحدثت فيها بمرارة عن واقعٍ أصبح فيه الطالب يلهث خلف الملزمة أكثر مما يفتح الكتاب المدرسي. لم يكن منشورها مجرد شكوى عابرة بل ناقوس خطر يدق أبواب التعليم، ويطرح سؤالًا مؤلماً، متى أصبح الطريق إلى الدرجة أهم من الطريق إلى المعرفة؟ ومن هنا جاءت هذه السطور، ليس دفاعاً عن كتاب أو هجوماً على ملزمة بل دفاعاً عن قيمة العلم التي بدأت تتراجع أمام ثقافة الامتحان.

في كل عام وخاصةً مع اقتراب الامتحانات الوزارية، يتكرر المشهد ذاته. يغلق الطالب الكتاب المدرسي بعناية لا لأنه أنهى قراءته بل لأنه لم يعد يحتاج إليه. يضعه على الرف وكأنه يؤدي مراسم وداع صديق قديم، ثم يفتح “ملزمة الأستاذ” بكل خشوع، فهي – كما يقال له – طريق النجاة الوحيد.

يا للمفارقة… وزارة التربية تؤلف المناهج وتشكل اللجان العلمية وتنفق الأموال على طباعة الكتب وتوزيعها مجاناً، بينما السوق يحسم الأمر في النهاية بملزمة لا يتجاوز حجمها عشرات الصفحات حتى أصبح الكتاب الرسمي مجرد ديكور داخل الحقيبة.

لكن المأساة لا تكمن في استبدال كتاب بملزمة بل في استبدال العلم بطريقة اجتياز الامتحان. فالمنهج الدراسي وُضع ليُبنى خلال عام كامل في أيام دراسة محددة، يكتسب فيها الطالب المعرفة ويتعلم التفكير ويفهم القواعد والمفاهيم. أما الملزمة فلا تعده إلا بشيء واحد وهو كيف يجيب عن السؤال، لا كيف يفهمه.

لهذا لم يعد مستغرباً أن يحصل طالب على درجة تكاد تكون كاملة في لغة أجنبية ثم يعجز عن كتابة رسالة بسيطة أو إجراء حوار قصير بها. نجح في الامتحان… لكنه لم يتعلم اللغة. حفظ الإجابة ولم يكتسب المعرفة. وكأننا نقيس قدرة السمكة على حفظ شكل الصنارة لا على السباحة.

ثم تبدأ رحلة البحث عن المسؤول. هل هو الطالب؟ ربما لا فهو يركض خلف الدرجة لأن المجتمع لا يسأله ماذا تعلم بل كم حصل. وهل هو المدرس؟ بعضهم يبحث عن لقمة عيش كريمة في ظل ظروف اقتصادية صعبة، لكن ذلك لا يبرر أن تتحول رسالة التعليم إلى سوق تُباع فيه فرص النجاح. أم هي الحكومة؟ تلك التي وضعت منهجاً لا تدافع عنه وتركت الكتاب الرسمي وحيداً في مواجهة تجارة الملازم والدروس الخصوصية؟

الحقيقة أن الجميع يتحمل جزءاً من المسؤولية، لكن المسؤولية الأكبر تقع على من سمح بأن يصبح المنهج الرسمي خياراً والملزمة قانوناً غير مكتوب.

إن أخطر ما نخسره ليس الأموال التي تُصرف على الكتب ثم تُهمل بل العقول التي اعتادت أن النجاح يعني جمع الدرجات لا جمع المعرفة. فالأمم لا تُبنى بشهادات مرتفعة معلقة على الجدران وإنما بعقول قادرة على التفكير والإبداع والفهم.

وحين يصبح السؤال الأول قبل الامتحان “هل هذا موجود في الملزمة؟” بدلًا من “هل فهمت الدرس؟” فاعلم أن الأزمة لم تعد أزمة تعليم بل أزمة مفهوم كامل لمعنى العلم.

وعندها لا ينبغي أن نستغرب إذا خرج إلينا جيل يحمل أعلى الدرجات… ثم يبحث عن ملزمة جديدة تعلمه كيف يعيش. والملزمة الجديدة حينها لا تحمل غير الفساد.

× Zoomed Image
Scroll to Top