فرست عبدالرحمن مصطفى
ُروى حكاية صياد الفئران الذي كان يضع عشرات الفئران في كيسٍ كبير، وكلما شعر أنها بدأت تهدأ وتفكر في الخلاص هزّ الكيس وضربه بقوة. لم يكن يريد قتلها بل كان يريد إرباكها كي تتوهم أن الخطر يأتي من الفئران التي بجانبها فتنهش بعضها بعضاً، بينما يبقى الكيس سليماً ويصل الصياد إلى غايته دون أن يفقد شيئاً من صيده.
قد تبدو الحكاية بسيطة لكنها تحمل صورة مؤلمة عن واحدة من أقدم أدوات الحكم والسيطرة، إشغال الناس ببعضهم حتى لا يسألوا عن اليد التي تهزّ الكيس.
في كثير من بلداننا لا تحتاج السلطات دائماً إلى القمع المباشر كي تضمن استمرارها يكفي أحياناً أن تجعل المجتمع منشغلاً بخلافاته الداخلية، غارقاً في صراعاته ومتوترا أمام أزماته وممزقاً بين هويات وانتماءات وشعارات لا تنتهي.
كلما بدأ الناس يلتفتون إلى الخلل الحقيقي تظهر معركة جديدة. وكلما ارتفع صوت المطالبة بالحقوق يُفتح باب آخر للجدل. وكلما اقترب السؤال من المسؤول الحقيقي عن الفشل يُدفع المجتمع إلى سؤال آخر أكثر صخباً وأقل أهمية.
وهكذا يصبح المواطن غاضباً من المواطن والفقير غاضباً من الفقير وأنصار هذا الحزب في مواجهة أنصار ذاك الحزب، وهذه الطائفة في مواجهة تلك الطائفة وهذه المنطقة في مواجهة تلك المنطقة… بينما تبقى الأسباب الحقيقية للأزمة جالسة في مكانها تراقب المشهد بصمت.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تجعل الناس أعداء للسلطة فقط بل تجعلهم أعداءً لبعضهم البعض.
فتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات اقتتال لفظي ويتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية شخصية ويصبح الدفاع عن الحزب أهم من الدفاع عن الوطن، والانتصار على الخصم أهم من الانتصار على الفساد وإثبات أن الآخر مخطئ أهم من اكتشاف لماذا أصبح الجميع يعيشون في الأزمة نفسها.
وهنا تنجح اللعبة.
فالسلطة التي تخشى وعي شعبها لا تحتاج دائماً إلى إسكات الجميع، يكفي أن تجعل الجميع يتحدثون في الاتجاه الخطأ.
تجعلهم يتجادلون في الأشخاص بدل السياسات وفي الولاءات بدل الحقوق وفي الماضي بدل المستقبل، وفي هوية من هو “الأكثر وطنية” بدل السؤال البسيط “لماذا لا نعيش كما تستحق شعوبنا أن تعيش؟”
والأكثر مأساوية أن بعض الضحايا يتحولون إلى حراس للكيس.
يدافعون عن الذين يهزون الكيس ويبررون لهم كل أزمة، ويبحثون عن عدوٍ قريب يحمّلونه المسؤولية ثم يعودون إلى بيوتهم وهم يشعرون أنهم انتصروا في معركة بينما لم يتغير شيء في حياتهم.
قد تتغير الحكومات وتتغير الشعارات وتتغير الوجوه لكن اللعبة قد تبقى واحدة “أبقِ الناس منشغلين ببعضهم وستضمن أنهم لن يتفرغوا لمحاسبتك”.
ومع ذلك فإن الشعوب لا تُهزم إلى الأبد.
تبدأ لحظة الخلاص عندما تتوقف الفئران عن نهش بعضها وتنظر إلى الكيس بدل أن تنظر إلى بعضها.
عندما يدرك المواطن أن خصمه الحقيقي ليس جاره الذي يصوت لحزب آخر ولا مواطناً يختلف معه في الرأي، بل كل منظومة تمنع المجتمع من بناء دولة عادلة ومؤسسات خاضعة للمساءلة.
عندها فقط يتغير السؤال من “من المخطئ بيننا؟”
إلى “من الذي صنع هذا الواقع؟ ومن المستفيد من بقائه؟”
فأخطر شيء على أي سلطة لا تخشى شعبها هو أن يبدأ الشعب بالتفكير معاً.
لأن الشعوب حين تتوقف عن الاقتتال داخل الكيس تبدأ بمحاولة تمزيق الكيس نفسه.
والتاريخ يقول إن الكيس مهما كان متينًا، لا يصمد طويلاً أمام شعبٍ اكتشف اخيراً من الذي يهزّه.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






