وسام إيطاليا لفخامة نيجيرفان بارزاني.. حينما تتحول الثقة إلى لغة للدبلوماسية

تكبير الصورة

رنج باراوي

في وقت يعيش فيه الشرق الأوسط مخاضاً من التحولات المتسارعة والمعادلات المعقدة، لم يكن استقبال أربيل اليوم أرفع وسام شرف من جمهورية إيطاليا (Knight of the Grand Cross) من قبل فخامة رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، مجرد مشهد بروتوكولي عابر أو لفتة مجاملة دبلوماسية. إن هذا الحدث يحمل في طياته رسائل سياسية عميقة يمكن قراءتها كترسيخ لثقة دولية بعيدة المدى في شخصية أثبتت، في أحلك الظروف وأصعب الاختبارات، قدرتها على الحفاظ على التوازن وإعلاء لغة العقلانية وسط التجاذبات الإقليمية والدولية.

السؤال الجوهري يبدأ من هنا: لماذا اختارت إيطاليا، وهي واحدة من القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى في العالم (عضو مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي)، فخامة نيجيرفان بارزاني تحديداً لهذا الشرف الرفيع؟ تكمن الإجابة في ذلك النموذج الذي يتبعه رئيس الإقليم في إدارة الأزمات. إذ تنظر روما إلى السيد نيجيرفان بارزاني باعتباره "صانع جسور"؛ فهو قائد لم يكتفِ بتهدئة الأوضاع داخلياً وإدارة الملفات الحساسة مع بغداد بحكمة، بل نجح في فرض لغة الحوار والدبلوماسية الهادئة على مستوى المعادلات الإقليمية المعقدة. يضاف إلى ذلك التزامه الراسخ بحماية التعددية الدينية والقومية، وتعزيز أسس المدنية، وترسيخ قيم حقوق الإنسان، مما جعله في نظر العواصم الغربية شريكاً موثوقاً لحماية القيم الإنسانية المشتركة في منطقة مليئة بالاضطرابات.

هذه الثقة لم تولد من فراغ، بل تمتد جذورها التاريخية والثقافية إلى عمق أبعد. في الحقيقة، إن ما نشهده في هذا التكريم الرسمي لا يمثل الموقف السياسي الراهن للحكومة الإيطالية فحسب، بل هو انعكاس لتعاطف ورؤية إيجابية راسخة لدى الشعب الإيطالي تجاه القضية الكوردية. لقد نظر المجتمع الإيطالي دائماً باحترام وتقدير كبيرين لإقليم كوردستان؛ وهذا ما لمسته بنفسي عن قرب في عام 2009، عندما حظيت بفرصة زيارة إيطاليا ضمن طاقم مشاريع الأمم المتحدة (UNOPS) والإقامة هناك لمدة شهر كامل، حيث رأيت كيف ينبض الوجدان والشعور الإيطالي، شعباً ومؤسسات، بالدعم والتعاطف الصادق مع تجربة إقليم كوردستان وكفاح شعبه وتضحياته.

ومن هذا المنطلق، جاءت كلمة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني اليوم خلال مراسم تقليده الوسام متناغمة تماماً مع هذه الحقائق التاريخية والإنسانية؛ فحينما أعلن رئيس الإقليم أن "هذا الوسام ليس تكريماً لشخصي فحسب، بل هو تكريم لصمود شعب كوردستان وتضحيات البيشمركة في سبيل السلام العالمي"، فإنه كان يرسل رسالة بالغة الأهمية للمجتمع الدولي، معيداً من خلالها صياغة دور الإقليم وقواته المسلحة ليس كقوة محلية عابرة، بل كركيزة أساسية في صيانة الأمن والسلم الدوليين تستحق كل التقدير والدعم.

وفي ذات السياق، كان تشديده على أن "كوردستان تفتخر بكونها ملاذاً آمناً لجميع المكونات الدينية والقومية دون تمييز"، تجسيداً حياً لـ "القوة الناعمة" التي يستند إليها الإقليم. لقد أثبت بارزاني بهذه الكلمات أن معيار الاحترام الدولي للإقليم لا ينبع من القوة العسكرية فقط، بل من صيانة القيم الإنسانية والتعايش السلمي. وحتى حينما أشار إلى أن "إقليم كوردستان سيبقى دائماً جزءاً من الحل في العراق، وأن أبوابنا مفتوحة لتعميق الشراكات على أساس الدستور"، فقد قدم رؤية رجل الدولة الحكيم؛ وهي رسالة طمأنة للحلفاء الغربيين بأن الحراك الدبلوماسي لأربيل لا يهدف إلى إضعاف بغداد، بل إلى ترسيخ الاستقرار الكلي، مما جعل الجانب الإيطالي يقدم على هذه الخطوة بثقة مطلقة.

هذه الأرضية المشتركة تحولت لاحقاً إلى تحالف استراتيجي إبان مرحلة الكفاح المشترك ضد تنظيم داعش. فعندما كان الأمن العالمي مهدداً، كانت إيطاليا في الخطوط الأمامية عبر مستشاريها العسكريين لتقديم الدعم لقوات البيشمركة. وفي تلك المرحلة العصيبة، لم يكن نيجيرفان بارزاني (سواء كرئيس للوزراء سابقاً أو كرئيس للإقليم لاحقاً) مجرد منسق للمساعدات، بل كان الضامن الحقيقي والملتزم ببقاء القوات الإيطالية والبعثات الإنسانية وعملها بأمان وفاعلية، مما أسس لقاعدة صمدت أمام اختبارات الزمن.

وما زاد من القيمة السياسية لهذا التوشيح هو إقامة مراسم التسليم في قلب العاصمة أربيل. هذا الاختيار المكاني يحمل رسالة دبلوماسية بالغة الأهمية؛ فهو بمثابة اعتراف رسمي متجدد من الدولة الإيطالية باستقرار الإقليم ومكانته الدستورية، وقوة مؤسسة رئاسة الإقليم. وتريد روما التأكيد من خلال هذه الخطوة على أن أربيل بالنسبة للمجتمع الدولي ليست مجرد عاصمة محلية، بل هي عنوان مركزي وثابت لأي شراكة أو تحالف استراتيجي مستدام في الشرق الأوسط.

بالنسبة لحكومة إقليم كوردستان، يشكل هذا الوسام مكسباً سياسياً كبيراً ودرعاً دبلوماسياً رصيناً. ففي الوقت الذي يتعرض فيه الكيان القانوني والدستوري للإقليم لضغوطات داخلية وإقليمية متباينة، يأتي دعم بهذا الحجم ومن دولة ذات ثقل دولي كإيطاليا، ليعطي الإقليم ثقلاً سياسياً إضافياً في حواراته ومفاوضاته مع بغداد، ويثبّت مكانته كشريك شرعي ومعترف به في منظومة حفظ السلم والاستقرار الدوليين.

أما بالنسبة للمواطن، فإن الأهمية الحقيقية تكمن في ترجمة هذه العلاقات الرفيعة إلى واقع ملموس ينعكس على الحياة اليومية والتنمية البشرية. إذ يفتح هذا التقارب آفاقاً جديدة في قطاعات التعليم والأكاديميا؛ من خلال زيادة المقاعد والبعثات الدراسية المخصصة للشباب الكورد في أعرق الجامعات الإيطالية، وصولاً إلى استمرار المشاريع المشتركة لحماية الهوية الثقافية والآثار الغنية التي يزخر بها كوردستان بإشراف فرق إيطالية متخصصة في علم الآثار. كما أن المشاريع الإنسانية والتنموية التي تقودها المنظمات المدنية الإيطالية في مجالات تمكين المرأة والشباب والعدالة الاجتماعية ستشهد توسعاً ملحوظاً.

وعلى الصعيد الاقتصادي، طالما كان الاستقرار والثقة السياسية المحفز الأساسي لجذب الاستثمارات وتحريك رؤوس الأموال. ومن المتوقع أن يشهد القطاع الاقتصادي في الإقليم حركية جديدة؛ فالشركات الإيطالية العملاقة في قطاع الطاقة (مثل شركة ENI) وشركات البنى التحتية وتحديث قطاعات المياه والصرف الصحي ستحصل على قوة دفع وضمانات أكبر لتوسيع حجم أعمالها. من جهة أخرى، فإن القطاع الزراعي في كوردستان، الذي يتجه نحو تنويع مصادر الدخل، بحاجة ماسة إلى التكنولوجيا والمكننة الإيطالية المتطورة لتحديث المزارع وتحقيق الأمن الغذائي. وحتى على مستوى التجارة العامة، سيساهم هذا التقارب في تسهيل نقل العلامات التجارية الإيطالية الشهيرة في مجالات التصميم، والهندسة المعمارية، والأزياء بشكل مباشر وأقل تكلفة إلى الأسواق المحلية.

ختاماً، إن تقديم هذا الوسام الرفيع لنيجيرفان بارزاني هو دلالة واضحة على أن "دبلوماسية الحكمة" والحفاظ على التوازنات، رغم كل التحديات والأزمات، تبقى الاستراتيجية الأنجع التي تجبر كبرى مراكز القرار في العالم على الاعتراف بالمكانة التاريخية والجيوسياسية لإقليم كوردستان، وهو ما يحتاجه الإقليم اليوم أكثر من أي وقت مضى لضمان استقراره وازدهاره المستقبلي.

ووداو

× Zoomed Image
Scroll to Top