تبحث عيون المهاجر نهماً عن روابط تبقيه في وطنه الحاضر كياناً ملتصقاً بذكرياته وجذوره المتأصلة هناك في الوطن الغائب في الأبعاد، ويتشدق المثقف في الغربة إلى وعاء فكري يحوي ثقافة نقية من بين الثقافات المبوءة من الوطن الضائع، لينهل منها قدر ما يستطيع، ربما كبلسم تشفيه من ذوبان الروح في أطرافه.
الجالية الشرق الأوسطية، حاملي الثقافة العربية خاصة، علمت عن ظهور غير متوقع للأديب العربي " أدونيس" في أجواء هيوستن، قبل الثورة السورية بدورات قمرية شاعرية ملهمة.
كانت التحضيرات تجري هنا وهناك، وندوات تبحث فيها عن المواضيع التي يجب أن تناقش معه، وتبحث فيها. تكالبت الأيام رغم تباطئها، وكان النهار الموعود باللقاء مع الشاعر الرمزي جدلاً، سبقتنا آمال ببحوث وجدالات في خفايا قصيدة النثر ومسيرتها وغاياتها وأهدافها، وهو كما نعلم من أحد أقطابها، ربما ليس ولادةً بل تطويراً، أو عن نوعية الصوفية أوالرمزية في اشعاره، عن اسباب أصراره على انقراض الثقافة العربية في عصرنا هذا كما طرحها في مناسبات عديدة وأدرجها في مقالات متنوعة، عن قراره المذهل بالتخلي عن كتابة الشعر في الزمن القريب القادم، إلى ما هنالك من الأفكار الأدبية والباطنيات، التي ضخمت أكثر من حقائقها ولغاية، لدى أدونيس الإنسان والشاعر.
للأسف كانت الصدمة السلبية في أول لقاء، حوار ونقاشات عقيمة جالت في الصالة بين الجمهور والجمهور وأدونيس أصبح هناك هو المستمع والمشاهد، أدونيس الإنسان، وليس الشاعر أو الأديب أو المفكر. أسئلة تجولت في قاعة المتحف التاريخي في هيوستن، حيث عقدت الندوة، بمجملها تاهت خارج جدلية المعاني الفكرية لدى الشاعر الصوفي، بحثت في الفكر الإسلامي ومفاهيم النقض الشعري له، لم يتطرق أي مناظر أو مشارك في النقاش إلى المفاهيم الإسلامية وعلاقة الشعر أو الشاعر بها، فقد كان الإعتقاد حاضر الوجود ببعده الديني وانزياحاته الإسلامية السلبية قبل أن تقدم الأسئلة ، لذلك فإن معظم المطروح بحث عن الفكر الإسلامي وبشحة في المعارف، عن أمجاد العروبة والإسلام في قاعة مغلقة خصصت لمحاورة فكرية أدبية. أسئلة طغت عليها الضحالة، من قبل الذين شتتهم الهجرة والبعد عن وطن التاريخ فكراً، وطغت الأسئلة على محاولات مثقفين لإعادة مجرى الأسئلة إلى السوية التي يجب تناقش بها مع أدونيس الشاعر.
بحثوا هناك عن الكثير ما عدى أفكاره ومسيرته الأدبية، والبسمة المحيرة لا يفارق ضيفنا، برمزية يعرفها كل من نقب قليلاً في خفايا أفكاره، وتابع مسيرته الشعرية، واتطلع على باطنياته، والتي للخلفية العقائدية المذهبية التي ينتمي إليها ( العلوية ) دورا بارز في تكوينه الفكري ومعظم مفاهيمه، وهي نفسها التي تظهر عند تحليلاته في أبعاد ثورات الشرق وبشكل خاص الثورة السورية، تلك الخلفية المجردة من ذاته الشعرية الصوفية جردته أكثر من أي صراع سابق بينه كشاعر وبين الواقع الثقافي السياسي.
أنتهت الندوة بزمنها وليس بوطيس حمأة النقاشات الدينية بين متشددين وقوميين أتفقوا على منهج النقد لشخص يحمل الفكر المعاكس للمفهومين، أجوبته لم تفي ولم تشفي غليل الجمهور المنتظر، خرجت الأغلبية المثقفة من القاعة بأسف على العدم الفكري الذي حصلوا عليه. أنهالت الأسئلة في الخارج ليس على الشاعر بل على بعضهم البعض.
أثناء العودة والتي كنا معاً لفترة ما، سألنا سؤال كأديب تلقفته خيبة أمل، أهذا هو المستوى الثقافي لدى الجالية في مدينة كبيرة كهيوستن؟ شرح له زميلين الحالة كجواب طويل، وهما من الأدباء الذين لهم باع طويل في الفكر والثقافة العصرية ولهم أبعاد في النقد الإسلامي على منهجية أراكون و السيد قمني وغيرهما، وذكرا بأن معظم الذين سألوه كانوا ينتظرون أدونيس، المتهم سلفاً من قبل الإسلام المسيس، والشاعر العربي الذي يجبل الثقافة الإسلامية والعربية بالإنحطاط والإنقراض، ومعظم الذين تحدوثوا لا يعرفون أدونيس سوى عن طريق الإعلام المغرض، وليس لهم إطلاع ما على إنتاجك الشعري. هنا ودعنا شاعر قصيدة النثر الرمزية، الباحث عن بنيان الثقافة الأصيلة، على أمل اللقاء قريباً.
ضاع الشاعر في أروقة قصور هيوستن، وضعنا بالبحث عن اللقاء القريب. وكان اللقاء الثاني في جو عائلي، على حافة إحدى المسابح الخاصة، في صباح تكساسي ناعم رائق، حيث كان المختصر المكثف، مع طغيان من جو الإتكيت والدبلوماسية، وبعض الطفرات الأدبية والفكرية المتناثرة خارج مجالات الشعر، وشعره بشكل خاص، تقربنا من أدونيس الشاعر وتقرب منا، ليدرك بعض ملامح حقيقة الثقافة في المهجر الأمريكي، حيث الإندماج والتلاقي، وكان هناك حديث مطول عن الثقافة الكردية المطغى عليها بخطط ممنهجة وأساليب عنصرية. وهنا كان قاتلنا الزمن المنتظر، والذي لم نكن نحن ولا الشاعر بقابل على البحث في أعماق حقيقة باطنياته، لعدة اسباب: الوجيهة منها، بأننا سنلتقي معاً في محاضرة بإحدى قاعات جامعة هيوستن، في اليوم نفسه. أما المخفية، هي الرسمية المطلقة المشوبة بالإتيكيت المقلد الذي فرض على الندوة الضيقة تباها بها اصحاب الدعوة، متناسين بأن الندوات الثقافية والتباهي بالشكليات طرفي نقيض لا يلتقيان مهما بذل من المحاولات للتغطية.
جاب أدونيس الإنسان والضيف في شوارع وقاعات هيوستن، وغاب في أروقة البيوت الإرستقراطية المزيفة، وبقي الشاعر والمفكر السوري غائباً عن الحضور، لم يكن هناك من يحرض الفكر المهيء لهذا اللقاء على الإنبثاق، وبقيت المجاملات والتشريفات سيدة المواقف واللقاءات، وبقينا نحن مجموعة الهيئة الثقافية للشرق الاوسط، نسأل هل يتلذذ بالرونق والمخمليات إلى درجة نسي أن يسأل عن مكامن الفكر المعاكس المحرض والمثقف الحقيقي بين الجالية العربية المغتربة، أم أنه كان قانع بأن الذين أنطلق معهم من رواق مخملي إلى آخر هم رموز الجالية الثقافية في المهجر الأمريكي والذين ليس لديهم رغبة في الخوض داخل أعماق وديان الأبالسة إلا لإضفاء صبغة جمالية مزيفة، نادراً ما كانت تتخلل هذه الجلسات نقاشات ثقافية جادة، علماً أن المجموعة المرافقة أو المتواجدة في المجالس غالباً كانت شريحة مثقفة، وبقي الشاعر لغزاً كما كان وبقيت هالة الرمزية تحيط به، وظل كما كان المفكر والشاعر مالك الرؤية لآفاق الثقافة القامة.
تبين مخملية مفاهيم أدونيس الحقيقية أو بالأحرى وجوده الصادق مع اللاشعور فيه، وحقيقة قدرات تسلقه على الثقافة الحاضرة باسم الثورة الفكرية على القديم المهترء، من خلال مواجهة أولية مع الحاضر الثوري الجاري في ميادين الشرق، وبرزت بشكل أنصع عند تحليله وطرح آرائه حول الثورة السورية. سقط الشاعر في كثيره، عندما لم يتمكن من الفصل بين مفاهيم الشعب الصارخ والمناهج الكلاسيكية المتكالبة على الثورة الحقيقية، ولم يستطع أن يعي البعد الثوري لحراك الشعوب، ألغم الكل بمفاهيم الإسلام المتطرف المتكالب على الثورة وتاه بين الأحزاب الإنتهازية الذين يودون تحريف الثورة لغايات، أخطأ الشاعر الرمزي والغارق في الباطنيات في تحليلاته، وأبتعد عن التصويب إما لمفاهيم متلكأة كانت قد تراكمت على خلفية متناقضة بين الأنا والذات الطموحة لخلق التغيير الثوري شكلاً في الثقافة الحاضرة، أو لإنحياز طائفي، أي كانت الأسباب، فإنها لم تعطي لضعف قدراته التنظيرية المبرر الكافي لرؤية مستقبل سوريا القادمة، ولم يتمكن من الولوج إلى ما وراء القشور الموبوءة التي تغلف النواة الثورية، وبقي بعيدا عن فهم غايات الثورة السورية الحقيقية.
اصطدم الشاعر بالواقع الفعلي وتبين من خلالها مدى اتساع الهوة بينه كشاعر متمرد على الثقافة الجارية، وما هو عليه حقيقة، وكإننا أمام الأنا الحقيقية المخفية في ما وراء الفكر، والذات الصارخة والرافضة تصنعاً لإبهار المجتمع وتبيان الأنا المغايرة.
الشاعر الحقيقي هو الذي يخترق متاهات اللاشعور ويبث من عتمتها أفكاراً تنور الطريق، لكن ما أظهرتها الثورة السورية حتى اللحظة هو أن البعض من المثقفين والأدباء والفنانين كان قد تعالى قدرهم بوهج الأوامر، ولا يعني هذا إن أدونيس يتجرد من القدرة الفلسفية والرمزية في الشعر والباطنية الصوفية في بعضها، لكن توضح للمراقب المثقف بأنه كشاعر لا يتمكن من التمادي في أفكاره التي يصرخ لها لينطلق معها كمنظر سياسي، فالإبقاء على منطق الإلغاء لكل حاضر مبان حتى ولو كانت ثورة كشاعر يعيش في ما وراء العقل لا تتلائم والحاضر الثوري السياسي، فالثورة المتجهة إلى آفاق الزمن القادم بقيت معتمة على مفاهيمه، وظلت بالنسبة له متشحة بجلباب الإسلام المتزمت. استنتاجه هذا إما لخطأ في التحليل أو النقد وضبابية في المنهج الفكري تجاه الصراع السوري، والتي تؤدي إلى ضعف نظر وعدم رؤية لأبعاد الثقافة القادمة في الزمن الآتي بعد زوال النظام الحالي، ستتوضح هذه الرؤية لديه ولدى العديد من المثقفين والفنانين من شريحته، بعد زوال الدكتاتورية الحاضرة واستمرارية الصراع الثوري ضد دكتاتورية دينية قومية متوقعة بأن تسود لفترة ما بعد السلطة الحالية.
ربما كان الأفضل عدم جرفه إلى الواقع الثقافي – السياسي، تركه في عالم الرمزية الشعرية والباطنيات في البحث ليتلذذ بصوفيته ليس فقط حول الثورة السورية وأبعادها، بل حول نوعية سوريا القادمة كوطن متلاطم إلى سنوات قادمة، على الأغلب لايتمكن الشاعر من استيعابها في حاضره السياسي.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






