حجي قادو
إنّ ما يُرعب أنقرة اليوم لم يعد مجرّد هاجسٍ سياسيٍّ أو خلافٍ حدوديٍّ، بل بات قلقًا وجوديًا يتجاوز الجغرافيا والسياسة معًا، ويمتدّ عميقًا إلى البنية النفسية للنظام التركي منذ أكثر من عقدٍ من الزمن. ذلك أنّ ما يخشاه الأتراك حقًّا هو تنامي الوعي الجمعي الكُردي، وارتقاء فكرة الحرية إلى مستوى استعادة الأرض والكرامة من بين أنقاض الإقصاء والإنكار التاريخيّين.
لقد قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته سلسلةً من التنازلات المتتالية لكلٍّ من روسيا وإيران والولايات المتحدة، بل وحتى لنظام بشار الأسد، في مسعىٍ حثيثٍ لإجهاض أي إنجازٍ كُرديٍّ على الأرض. فالمسألة بالنسبة لأنقرة لم تعد سياسية بحتة، بل مسألة خوفٍ من تحوّل الهوية الكُردية إلى مشروعٍ قوميٍّ جامعٍ يتجاوز حدود الدول التي اقتُطع منها الكُرد.
لم تعد الحكاية كما كانت تُروى في العقود الماضية:
“أنا كردي سوري”
بل غدت أعمق وأصدق تعبيرًا عن الذات:
“أنا كردي كردستاني”.
فالكُردي في العراق يقول: “أنا كردي كردستاني”،
وفي إيران يقولها بالمعنى ذاته،
وفي تركيا أيضًا يقولها بثباتٍ واعتزاز: “أنا كردي كردستاني، لا كردي تركي”.
هكذا تتوحّد الهويّة الكُردية في وجدان شعبها الممتدّ عبر الجغرافيا، لتعبّر عن انتماءٍ قوميٍّ جامعٍ يتجاوز حدود التقسيمات السياسية المصطنعة التي فرضتها اتفاقية سايكس – بيكو قبل أكثر من قرنٍ من الزمن. ورغم مرور السنين وتعاقب الأنظمة، لم تتمكّن تلك الاتفاقية من طمس الهويّة الكُردية، ولا من القضاء على وجودها المتجذّر في عمق التاريخ والجغرافيا.
إنّ هذا الوعي المتجدّد بالهويّة الكُردية لا يقوم على فكرة الانفصال فحسب، بل على الحقّ في الوجود والكرامة والتنمية والتقدّم. فقيام دولة كردستان الكبرى لم يعد حلمًا طوباويًا بعيد المنال، بل مشروعًا واقعيًا يقترب من التحقّق مع تعاظم الوعي الذاتي للشعب الكُردي، وتنامي دوره الاستراتيجي في المعادلة الإقليمية. لقد تجاوز الكُرد حدود الخوف، وساروا بإرادةٍ راسخة وإيمانٍ عميق بانتمائهم القومي، حتى باتوا رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في أيّ حسابٍ يخصّ مستقبل المنطقة.
ومن الحكمة أن تُدرك دول الشرق الأوسط أنّ مصالحة الشعب الكُردي خيرٌ من معاداته، فالعلاقة الودية معه تمثّل ضمانةً حقيقيةً للاستقرار الإقليمي، بينما العداء له لن يجلب سوى التوتر والخسارة لجميع دول جوار كردستان. فعندما تنهض كردستان وتتوحّد أجزاؤها، ستجد الدول التي اقتُطع منها هذا الشعب نفسها دولًا محدودة الموارد والنفوذ، بل وحتى عدد السكان، وستكون بحاجةٍ إلى إقامة علاقاتٍ متوازنة مع الدولة الكُردستانية الناشئة، في مجالات التجارة والطاقة والاقتصاد، بل وفي الأمن الإقليمي أيضًا.
إنّ كردستان تمتلك اليوم واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، فضلًا عن ثرواتٍ معدنيةٍ نادرة، وسلّةٍ غذائيةٍ واسعةٍ قادرةٍ على تلبية احتياجات جيرانها. ومع ذلك، ما زال التهميش والإقصاء يُمارسان بحقّ هذا الشعب العريق، في تجاهلٍ صارخٍ لواقعه الاقتصادي والسياسي الصاعد.
لكنّ التاريخ لا ينتظر أحدًا، والغد قريبٌ لمن يُبصره بعين الحكمة.
فإقصاء الكُرد اليوم خطأٌ استراتيجيٌّ جسيم، لأنّ من يُهمّشهم الآن سيحتاج إليهم غدًا.
وكما يُقال: الغد لناظره قريب.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=77801




