د. محمود عباس
لا تنازل أمام المنظمات التكفيرية. لا مراهنة على “تطمينات” سلطةٍ لا تملك قرارها، ولا قراءة رومانسية لواقعٍ كُتب بدمٍ واضح. أي تراجع اليوم، أي انكسار في الموقف، لن يُقرأ بوصفه حكمة سياسية، بل سيُترجم فورًا إلى مذابح على الهوية، الشعب الكوردي سيُقتل لأنه كوردي، والمكوّن العربي سيُستباح تحت لافتة “الخيانة”، وبقية المكوّنات ستُسحق بين هذين السيفين. هذه ليست نبوءة، بل تجربة رأتها سوريا مرارًا حين فُتح الباب للتكفير باسم الدولة.
لم تتمكّن الأنظمة المجرمة والعنصرية البائدة، بكل ما راكمته من خبرات في الفساد وصناعة الكراهية وتفكيك المجتمع السوري، من بلوغ ما بلغته حكومة الجولاني خلال عامٍ واحد. نصف قرنٍ من أجهزة القمع، وملايين أُنفقت على الفتنة، وفروعٍ أمنية خُصّصت لهندسة الانقسام، لم تُنتج هذا السيل الجارف من الحقد الممنهج، ولا هذا التصعيد الفجّ في الخطاب العنصري، ولا هذا التوسّع المتعمّد في صراعات الهوية، كما فعلت سلطة انتقالية واحدة خلال سنة واحدة. فماذا لو استمرّت أربع سنوات أخرى كمرحلة انتقالية؟ وهل ستبقى سوريا، حينها، دولةً ووطنًا؟
ما عجز عنه النظام البائد خلال أكثر من ستين عامًا، أُنجز بسرعة مذهلة خلال شهور قليلة: تشتيت البنية الاجتماعية، قطع الروابط الثقافية، وتدمير العلاقات الإنسانية بين شعوب سوريا. كما تمكّنت هذه الحكومة من حشدٍ واسع لمروّجي الكراهية، وشرعنةٍ للإجرام المذهبي والطائفي، وتعميقٍ مقصود للشرخ بين المكوّنات السورية، ولا سيما بين الشعبين الكوردي والعربي السني المتطرّف، حتى بات التحريض فعلًا يوميًا، والكراهية سياسة، والقتل رأيًا.
دُفعت عشائر عربية، بوعيٍ كامل، إلى كراهية الدروز وصولًا إلى مجازر جماعية. وانطلقت مجموعات من المتطرّفين لتستعيد منطق الذبح والسبي ضد العلويين بلا مواربة. وتحوّلت تنظيمات سنّية عسكرية وسياسية وثقافية إلى منصّات تكفيرٍ شامل للشعب الكوردي، لا استثناء فيه، وخرج من بينها من يتمنّى قتل أطفال الكورد والدروز بوصفه “خاتمةً مجيدة”. هذا ليس انفلاتًا عابرًا، بل بنية عنف مكتملة تُدار وتُبرَّر.
صحيح أنّ النظام البائد خلّف دمارًا بنيويًا وخرابًا ثقافيًا عميقًا، لكن ما ترسّخ خلال السنة الماضية أعاد إنتاج تلك الثقافة بوجهٍ أشدّ قبحًا، وبخطابٍ أدهى، وبمنسوب كراهية أخطر. نحن أمام انتقال مُعلن إلى عصر ظلمات جديد، دولة بلا ركيزة، ديمغرافيا بلا وطن، وشعوب تُدفع إلى كراهية بعضها بعضًا بالهوية لا بالسياسة.
لهذا، فإن مسؤولية قوات قسد اليوم ليست تكتيكًا عابرًا ولا صفقة مرحلية، بل خط دفاع أخير عن حياة شعوب منطقة الإدارة الذاتية جميعًا. أي تنازل أمام التكفير لن يُنقذ أحدًا، بل سيطلق آلة قتل لا تميّز بين كوردي وعربي، وسرياني، وعلوي، ودرزي. التاريخ في سوريا لا يرحم المترددين، والحياد أمام الإلغاء ليس حيادًا، بل اشتراكًا صامتًا فيه.
الثبات الآن ليس خيارًا عسكريًا فقط، بل واجبًا أخلاقيًا وتاريخيًا.
الولايات المتحدة الأمريكية
22/12/2025م
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=81806






