مبروك للدروز… وعقبال الكرد

عبدالعزيز قاسم  |   
على ضوء التطورات الأخيرة، ولا سيما ما جرى في الأحياء الكردية في حلب، من حرب إبادة وحشية على المدنيين العزل، يبرز تساؤل جدي حول جدوى المسار التفاوضي الذي تنتهجه قيادة قسد والإدارة الذاتية مع حكومة الجولاني. فالمؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن هذا المسار يفتقر إلى الضمانات، في ظل سجل حافل بالعداء والانتهاكات بحق الشعب الكردي.
وتزداد الصورة قتامة إذا ما أُخذنا بالاعتبار آخر جولات المباحثات بين حكومة الجولاني والوفد الكردي، والتي أسقطت عمليا أي معنى لما يسمى بالوساطة الأمريكية، بعد تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك وتأكيده على أن واشنطن تدعم حكومة الجولاني في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وهو ما يُفهم كضوء أخضر للحرب التي شنها جيش الجولاني على الأحياء الكردية السكنية في حلب بمشاركة تنظيمات إرهابية، وحتى عناصر من داعش، وتحت غطاء تركي واضح.
في المقابل، تظهر تجربة الدروز أن توسيع العلاقات الإقليمية والدولية قد يكون أكثر فاعلية من الارتهان لمسار تفاوضي غير متكافئ، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة أمام قسد والإدارة الذاتية لاعتماد مقاربة سياسية جديدة، تقوم على العمل الدبلوماسي الخارجي وانتزاع اعتراف سياسي بالإدارة الذاتية ككيان ذي حكم ذاتي، بدل الدوران في حلقة الوعود الفارغة.
تجربة الدروز تطرح نموذجا مختلفا في إدارة المصالح والبحث عن الحماية السياسية، حيث جرى العمل على توسيع شبكة العلاقات الإقليمية والدولية بدل الاكتفاء بمفاوضات داخلية غير متكافئة. من هذا المنطلق، قد يكون من الأجدى لقسد والإدارة الذاتية التحرك باتجاه بناء قنوات سياسية فاعلة مع دول مؤثرة، سواء مع إسرائيل أو غيرها كاليونان أو فرنسا، بهدف انتزاع اعتراف رسمي بالإدارة الذاتية في غرب كردستان ككيان ذي حكم ذاتي واضح المعالم.
ولا يمكن تجاهل أن برلمان كتالونيا كان قد اعترف في تشرين الأول/أكتوبر 2021 بالإدارة الذاتية (رۆژاڤا) بوصفها كيانا قوميّا كرديّا، وهو اعتراف رمزي لكنه يعكس إمكانية تحقيق اختراقات سياسية عبر العمل الدبلوماسي الخارجي المنظم.
في المقابل، فإن الهجوم على الأحياء الكردية في حلب، الذي تزامن مع مباحثات دمشق حول اتفاقية 10 آذار وبرعاية أمريكية، يحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن الطرف المقابل لا ينظر إلى الاتفاقات بوصفها التزاما، بل أداة ظرفية. وهو ما يثير الشكوك حول جدوى اتفاقيات وقعت أصلا في ظل ضغوط دولية وسياق دموي شمل انتهاكات جسيمة بحق مكونات سورية أخرى.
الخلاصة أن القضية الكردية في سوريا تحتاج إلى مقاربة سياسية جديدة، تقوم على تنويع التحالفات، وتعزيز الحضور الدبلوماسي الخارجي، وعدم الارتهان لمسارات تفاوضية أثبتت الوقائع الميدانية هشاشتها، وفی الختام فالقضية الكردية لا تحمى بمباحثات هشة ولا بحسن النوايا، بل بخيارات سياسية واقعية وتحالفات واضحة.
التجارب تثبت أن من يفرض حضوره سياسيا ينتزع اعترافه.
مبروك للدروز، ولعل في التجربة ما يستحق أن يقرأ كرديا.
Scroll to Top