سوريا… وطن يدار بعقلية المزرعة

ماهر حسن

ليست مشكلة سوريا في الكورد، ولا في مطالبهم، ولا في الأشكال السياسية التي يطرحونها للخروج من الخراب. المشكلة الحقيقية كامنة في عقل سياسي متحجّر، لا يرى الدولة إلا كملكية خاصة، ولا يفهم الوطن إلا كمركز يأمر وأطراف تطيع. عقل يخاف من أي سؤال خارج القاموس القديم، ويرتعب من أي محاولة لكسر احتكار القرار.

كلما طالب الكورد بحقوقهم، استدعيت التهمة الجاهزة نفسها: الانفصال. لا نقاش، لا تفكير، لا حتى محاولة فهم. فقط اتهام يقذف كحجر لإسكات الصوت قبل أن يصل إلى الجوهر. هذه ليست سذاجة سياسية، بل كذب متعمّد، وتزوير واعٍ للتاريخ والواقع.

الانفصال: فزاعة العاجزين

لم تكن تهمة الانفصال يومًا توصيفًا دقيقًا، بل أداة تخويف. تستخدم عندما يعجز الخطاب السياسي عن تقديم بديل، أو رؤية، أو مشروع وطني حقيقي. من يرفع هذه الفزاعة لا يسأل: لماذا وصلنا إلى هنا؟ ولا يعترف بأن سوريا لم تكسر من أطرافها، بل من مركزها المتغوّل.

حين سحبت الجنسية من عشرات الآلاف من الكورد، لم تكن هناك وحدة وطنية في خطر.

حين منعت اللغة، ومسحت الهوية، ورسمت سياسات التعريب والحزام العربي، لم يكن أحد قلقًا على “الجغرافيا”. لكن حين يطالب الكورد بإدارة شؤونهم بأنفسهم، تصبح البلاد فجأة على شفير الهاوية. هذا النفاق السياسي ليس جديدًا، بل متجذر.

سوريون… بعقلية الأنا المتضخمة

المشهد الأكثر إثارة للاشمئزاز أن أغلب من يقودون الهجوم اليوم ليسوا خصومًا للاستبداد، بل أبناءه غير الشرعيين. بعثيون سابقون، أو متواطئون، أو صامتون صمت القبور حين كان القمع سياسة رسمية.

غيّروا الخطاب، لا العقل. تلون بلون الأنا المتضخمة، وارتدوا قناع “الوطني الغيور”، لكن المنطق نفسه يحكمهم: البلد لنا، والآخرون ضيوف مشروطون بالصمت. هؤلاء لا يرون في الكورد مواطنين، بل مشكلة دائمة يجب احتواؤها أو تشويهها أو كسرها.

الخوف الحقيقي: كسر المركز لا تقسيم البلاد

ما يخيف هذه النخب ليس التقسيم، بل تفكيك السلطة. ليس انهيار الدولة، بل انهيار الامتياز. هم لا يخشون الخرائط، بل يخشون أن تُعاد كتابة العقد السياسي دون وصايتهم.

الفدرالية، اللامركزية، الإدارة الذاتية… ليست بالنسبة لهم نماذج سياسية قابلة للنقاش، بل تهديد وجودي. لماذا؟ لأنها تقول إن السلطة توزّع، وإن الهوية لا تُفرض، وإن الحكم ليس حقًا تاريخيًا لفئة واحدة. وهذه أفكار قاتلة لمن تربّى على عقيدة: “نحن نقرر، والبقية تلتحق أو تسحق”.

الوطنية كسلاح قمع

في هذا الخطاب المريض، تحوّلت الوطنية إلى عصا. كل من يعترض خائن، كل من يطالب بحق انفصالي، كل من يرفض المركز عميل.

لا مشروع، لا تصور لسوريا المستقبل، لا إجابة عن سؤال الدولة بعد كل هذا الدمار. فقط تخوين، وصراخ، ونباح سياسي يعوّض الإفلاس الفكري. الدولة التي تحتاج إلى هذا الكم من التهديد كي تحافظ على وحدتها، هي دولة فاشلة أخلاقيًا وسياسيًا.

الحقيقة التي يرفضون مواجهتها بسيطة ومحرجة: لو كانت سوريا دولة مواطنة، لما طرحت الإدارة الذاتية أصلًا. لو كان الاعتراف بالتعدد حقيقيًا، لما أصبحت الفدرالية سؤالًا.

لكن حين تغلق السياسة، يصبح التنظيم الذاتي فعل بقاء، لا مؤامرة. وحين تنكر جماعة كاملة، فإنها ستبحث عن أدوات تحمي وجودها، مهما كانت الكلفة. الكورد لم يهربوا من الدولة، الدولة هي من طردتهم. ولم يختاروا الصدام، بل فرض عليهم.

المعركة الحقيقية

هذه ليست معركة حدود، ولا خرائط، ولا أعلام. إنها معركة بين عقل يريد سوريا دولة مواطنة، وعقل يريدها مزرعة سياسية. بين من يرى التعدد قوة، ومن يراه خطرًا يجب سحقه.

الخلاصة بلا تجميل

من يصرخ اليوم “انفصال” لا يدافع عن سوريا،

بل عن نظام تفكير فاسد، مهما غيّر أسماءه وشعاراته. أما الكورد، لن يقبلوا 

Scroll to Top