کتبە/الدكتور هاوري منصور بكي/مختص في مجال النفط ا علم الارض
الترجمة فؤاد عثمان
عندما اقترح الرئيس ترامب شراء جزيرة “غرينلاند” في عام ٢٠١٩، استقبل العالم هذا العرض بموجة من السخرية والتهكم. لكن ما غاب عن الأذهان حينها هو أن خلف هذا المقترح “المسموم” تكمن أطماع استراتيجية واقتصادية بعيدة المدى. فجزيرة غرينلاند ليست مجرد أرض جليدية قاحلة، بل يراها الجيولوجيون مستودعاً هائلاً للمعادن النادرة والاستراتيجية التي تُعد العمود الفقري للصناعات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة. وفي سباق الاتصالات، والطاقة المتجددة، وغزو الفضاء، يظل الوصول إلى هذه المعادن هو الطريق الوحيد لضمان الهيمنة العالمية.
إن عشرات المشاريع في مجالات التكنولوجيا الخضراء، والأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية، وأنظمة الدفاع، تعتمد كلياً على هذه العناصر النادرة التي تسيطر الصين حالياً على “حصة الأسد” منها، وتجني من ورائها مليارات الدولارات سنوياً.
والأهم من ذلك كله، هو الطموح نحو الانطلاق إلى كوكب المريخ والسيطرة عليه خلال العقد القادم. وبما أن الصين تتربع اليوم على عرش سلاسل التوريد العالمية لهذه العناصر الداخلة في مجال جيبات الكتونية، فإن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لمكانة الولايات المتحدة على الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية.
ولا يخفى على المراقبين أن رؤية ترامب للوصول إلى المعادن النادرة في غرينلاند وأوكرانيا، تحمل بصمات واضحة لـ (إيلون ماسك)، مالك شركة (SpaceX). فحلم “ماسك” في استعمار المريخ وبسط النفوذ في الفضاء – وهو الذي صرح علانية بقوله: “أرغب في الموت على المريخ” – لن يتحقق أبداً دون تأمين هذه المعادن والعناصر الاستراتيجية.
ومع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد، بدأت المناجم الاستراتيجية في غرينلاند بالظهور، مما يمهد الطريق أمام أمريكا للوصول إليها بسهولة أكبر. وفي المقابل، تمتلك الصين بالفعل مشاريع ومبادرات عديدة في الجزيرة، مما يثير مخاوف واشنطن من أن تصبح بكين “الملك” المطلق لتوريد المعادن النادرة في العالم، ما لم يحدث تغيير جذري في تبعية أو وضع غرينلاند.
ولم يخفي الرئيس الامريكي ذلك ففي مقابلة له موخرا قال صريحا لو لم نسيطر على غريند لاند سوف يسيطر عليها صين او روسيا
وعلاوة على الاحتياطات المعدنية الضخمة، يمنح الموقع الجغرافي لغرينلاند أهمية جيوسياسية وعسكرية فائقة، لاسيما في مجالات الدفاع الصاروخي وإطلاق الأقمار الصناعية. كما أن ذوبان الجليد سيفتح ممرات ملاحية جديدة في القطب الشمالي، مما سيحول غرينلاند من جزيرة نائية ومعزولة إلى شريان تجاري وعسكري عالمي.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بقضايا ثانوية، تستعد “الدولة العميقة” وصناع القرار الحقيقيون في واشنطن لسيناريوهات ما بعد الاحتباس الحراري والتغير المناخي المتسارع. قد تبدو أطماع الرئيس ترامب للبعض مجرد “تكتيك تجاري”، لكن القراءة الدقيقة للظروف والأهداف الأمريكية المتداخلة تكشف عن “لعبة استراتيجية كبرى” لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً لها من قبل.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=82237




