لعنة السلطة في سوريا حين تعيد التاريخ بوجهٍ أكثر قبحًا

د. محمود عباس

من سقوط الخلافات إلى الجولانية والوصاية الأردوغانية على سوريا

السلطة، حين تستقر في يد من يتوهّم امتلاكها، تُصيب البصيرة بالعمى قبل أن تُغري بالهيمنة، ولذّة السيطرة لا تكتفي بإفساد الأخلاق، بل تُعطِّل الذاكرة، وتُفقد الحاكم القدرة على قراءة الماضي، كما تعميه عن استشراف احتمالات المستقبل. فيغدو أسير لحظته، يعيش حاضره كأنه منفصل عن الوعي، غريبًا عن التاريخ، لا يتعلّم من سقوط من سبقوه، ولا يرى المصير الذي ينتظره. في هذا المستنقع الفكري سقط معظم المستبدين والطغاة عبر التاريخ، وكانت سوريا، ولا تزال، أحد أبشع النماذج على هذا المستوى الوضيع من السياسة المتحالفة مع الطغيان العسكري.

واليوم، تعيد السلطة السورية الانتقالية إنتاج هذا النموذج ذاته، إذ إن رئيسها، وقد أُحيط بهالة مصطنعة من التقديس والبطولة، نسي أو تناسى أن الذين سبقوه في القمع والبطش كانوا يومًا أقوى منه، وأكثر رعبًا في أعين الشعب السوري بكل مكوّناته، لا مكوّن بعينه. أولئك مارسوا الإلغاء والحديد والنار، وطمسوا القضية الكوردية بلا هوادة، ومع ذلك انهاروا. اختلفت العوامل وتبدّلت الأزمنة، لكن الثابت أن البنية الفاسدة التي استندوا إليها كانت هي نفسها المقدّمة الحتمية لسقوطهم، وهي ذاتها التي مهّدت اليوم لظهور مجموعة جديدة تشبههم في عشق التفرد بالسلطة، وإدارة الدولة بعقلية المركزية الصلبة، حيث الاستبداد هو المنهج، وإلغاء الآخر هو القاعدة.

المنظمات الداعمة لأحمد الشرع تستند إلى خطاب قوة سُنّية مغلقة، ترفع شعارًا فاقعًا: «سوريا لنا حتى يوم القيامة»، وهو شعار لا يناقض فقط منطق الدولة الحديثة، بل يصطدم جوهريًا مع الإسلام كمنهج أخلاقي، ويخالف النص كأحكام إلهية. ومع ذلك يتباهون به، متناسين حكمة التاريخ وسنّة الله في الظالمين: أن الطغيان لا يدوم، وأن المستبد، سواء كان فردًا، أو جماعة، أو قوة سياسية، أو مذهبية، يكفر ذاته حين يتوهّم الخلود ويتجاهل العدل.

وحين يستحضر هؤلاء راية بني أمية، يفعلون ذلك بانتقائية مريضة، متناسين أن الدولة الأموية، رغم كونها خلافة، ورغم انتماء كثير من رموزها إلى بيت الرسول ووجود صحابة في صفوفها، لم يدم حكمها. بطغيانها سقطت، وأُزيلت خلافتها، ونُبشت قبورها، وقُتل نسلها، ولولا فرار الشاب الأموي عبد الرحمن الداخل، إلى المغرب ثم الأندلس لكانت مُحيت من التاريخ السياسي بالكامل. ولم تكن الخلافة العباسية، رغم امتدادها الزمني، استثناءً عن هذه القاعدة؛ فقد انتهت تحت سنابك جياد هولاكو، حين سُحقت بغداد، وأُغرقت كتبها في دجلة، وتحوّل مركز الحضارة إلى ركام. ثم جاء العثمانيون لاحقًا ليضعوا النهاية الرسمية لما تبقى من رمزية الخلافة العباسية، وكأن التاريخ يعيد إنتاج ذاته بأشكال مختلفة. والمفارقة الصادمة أن ما فعلته جماعة أحمد الجولاني بنظام الأسد ورموزه لا يختلف في جوهره عمّا فعله العباسيون بالأمويين: قبر يُنبش، وجثة تُرمى إلى المجهول، وسلطة تُزال دون رحمة. فهل أحمد الشرع، ومعه التيارات السنية التكفيرية، على مستوى قوة الخلافة الأموية؟ وقبلها، ألم تسقط الخلافة الراشدية نفسها، وهي خلافة الصحابة؟

وهنا تكمن المفارقة الأخطر: فنحن اليوم أمام نسخة معاصرة من هذا المسار، حيث تبدو تركيا الأردوغانية وكأنها تسير بسوريا نحو المصير ذاته، لا بوصفها دولة جارة، بل بوصفها مشروع وصاية وهيمنة، قد لا تكتفي بتفكيك السلطة، بل تضع نهاية لسوريا كوطن ودولة، كما وضعت الدولة العثمانية نهاية للخلافة العباسية. إنه التاريخ ذاته، حين يُعاد بلا وعي، يتحوّل من درسٍ إلى لعنة.

الأنظمة التي قامت على السيطرة المطلقة وإلغاء الآخر بالكراهية والطغيان، حتى حين استمرت لعقود، لم تنعم يومًا باستقرار داخلي. كثرة العيون في الخلافة الأموية لم تكن إلا دليلًا على هشاشتها، كما كانت المربعات الأمنية في زمن حافظ الأسد وبشار الأسد تعبيرًا عن خوف السلطة من مجتمعها. غير أن ما نشهده اليوم، في ظل سلطة الجولاني، يتجاوز ذلك؛ فموجات الكراهية التي تُبثّ اليوم، رغم قصر عمر هذه السلطة، أكثر فتكًا، لأنها لا تدمّر الإنسان جسديًا فقط، بل تُخرّب المجتمع، وتُفكك الوطن، وتغتال الثقافة قبل السياسة، وتُعمي بصيرة المؤيد قبل الخصم.

وفي هذا المناخ، يشعر السوري وكأن الحجاج بن يوسف الثقفي قد بُعث من جديد، لا في الكوفة، بل في دمشق، بوعيده وتهديده، ولكن بصيغة العصر. فأحمد الشرع يماطل الكورد من جهة، ويطعنهم في الظهر من جهة أخرى؛ يتحدث عن حقوقهم لفظًا، ويُلغي وجودهم الديمغرافي فعلًا، على ذات المنهج البعثي الأسدي، حتى في التلاعب بنسب السكان. ولا يُستبعد أنه استند إلى ما قاله بشار الأسد في مقابلته مع الصحافة الروسية عن نسبة الكورد، وهي ذات المقولة التي أعاد أحمد الشرع إنتاجها بلباس فقهي مراوغ في الحوار الذي أجرته قناة شمس معه بناء على طلبه، قبل أن يُلغى لما حمله من خطاب كراهية وحقد وخبث مقنّع. كلاهما قال إن الكورد شعب أصيل، وكلاهما تجاهل الجريمة الكبرى: التغيير الديمغرافي الممنهج الذي نُفّذ على مدى قرن كامل، عبر مراحل وخطط متعددة، استُخدمت فيها الأدوات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، حتى جرى تدمير البنية الديمغرافية للشعب الكوردي.

فغربي كوردستان، حتى نهاية السبعينات، كان الكورد يشكّلون فيها أكثر من 85% من السكان، والمدارس التي درسنا فيها شاهد حي على ذلك؛ إذ كانت نسبة الطلاب الكورد في الصف الواحد تتجاوز 90%، والبقية من المكوّن المسيحي والأرمني، ونادرًا ما كان يوجد طلاب عرب يُعدّون على أصابع اليد. ما قاله أبو محمد الجولاني، تحت التخدير التركي، ليس إلا تكرارًا فجًّا لمقولات بشار الأسد والبعث، لا بحثًا عن الحقيقة، ولا محاولة لردم هوّة الصراع القاتل بين التنظيمات التكفيرية الإرهابية والشعب الكوردي.

وعفرين خير مثال فاضح على هذه الجريمة؛ ففي أقل من خمس سنوات، جرى شبه القضاء على ديمغرافيتها الكوردية، بعدما كانت نسبة الكورد فيها تتجاوز 95%، لتصبح اليوم، رغم بعض العودة المحدودة، أقل من 25% من السكان. وفي كري سبي وسري كانيه، انعدمت الديمغرافية الكوردية تقريبًا، رغم أن نسبتهم كانت تتجاوز 75%. هذه الوقائع ليست أرقامًا في تقارير، بل جراحًا حيّة في الجسد الكوردي، وهو ما لا يريد أحمد الشرع ومن يقف خلفه الاعتراف به أو حتى رؤيته.

ومن المفارقات الفجّة أن يتحدث البعض عن «تهجير قوات قسد لمكوّنات عربية»، متناسين عمدًا أن قسد والإدارة الذاتية احتضنتا قرابة مليوني نازح من أبناء الداخل السوري في غربي كوردستان، ولم تقتربا يومًا من مستوطنات الغُمريين العرب التي بناها البعث ضمن مشروعه العنصري. هذه الحقائق تُطمس لأن الاعتراف بها يهدم السردية الكاذبة التي يقوم عليها مشروع الإلغاء.

أما فقهاء السلطة وداعمو تعويم المكوّن السني التكفيري، فيتناسون أن الكورد، وهم من الأغلبية المسلمة السنية، خارج هذا المشروع الوهابي الإقصائي، ومع ذلك يُكفَّرون ويُلغَون. يُراد خلق هالة تقديس حول أحمد الشرع، وربما كانت العزلة التي وُضع فيها جزءًا من هذا المسعى، إن لم تكن في جوهرها إقامة جبرية بإدارة تركية وأدواتها، إلى حين اكتمال مخططٍ رُسم بعناية، ونال موافقات ضمنية في حوارات باريس، وبرضا دولي صامت.

ودون مواجهة هذه الحقائق، لن يكون مصير هذه السلطة بأفضل من مصير الأسد، ولا الحجاج، ولا الأمويين، ولا العباسيين، ولا غيرهم ممن توهّموا أن التاريخ يمكن إخضاعه بالقوة. فجميعهم، بلا استثناء، انتهوا إلى حيث تنتهي كل مشاريع الطغيان، مزبلة التاريخ.

الولايات المتحدة الأمريكية

14/1/2026م

Scroll to Top