خلف علي الخلف
قبل ستة أيام وبضع ساعات، وبعد تسلّم السلطات السورية سجن الأقطان في الرقة من عناصر تنظيم قسد، إثر استعصاء دام أياماً، كتب وزير الإعلام السوري، بكل ثقة رسمية، منشوراً على منصة X، قال فيه إن مصير الصحفي فراس البرجس ما يزال مجهولاً، وإنه غير موجود في سجن الأقطان، مضيفاً أن «مصادره» تشير إلى أنه نُقل إلى سجن سري تحت الأرض في عين العرب | كوباني، بعد أن تعرّض لتعذيب جسدي ونفسي.
فاجأني، حقيقةً، اهتمام وزير الإعلام بمصير صحفي من الرقة، حتى أني راجعت نفسي وقلت: «يا خلف، تراك قام [أو قاعد] تظلم الوزير». فها هو يصدر بياناً كاملاً عن شخص من «أهلك» دون أن يعرفه. أعجبتني حماسة الوزير، صراحةً، وقلت إن الاهتمام بالرقة قد بدأ. وضعت أغنية «من فوگ جسر الرگة…» وصرت أدبچ.
تصريح رائع ومثير، يصلح للتداول الإعلامي، وهو ما حدث فعلاً: غموض، سجون سرية، تعذيب، ومطالبات بالإفراج الفوري. كل ما يلزم لتحريك الرأي العام وإطلاق حملات تضامن. وكلما نشرت وسيلة إعلام تصريح السيد الوزير، كنت أبتسم، رغم أن الموضوع محزن، وأقول: أخيراً وجدنا من يهتم بصحفي معتقل من الرقة، وعلى مستوى عالٍ من المسؤولية: وزير. وليس بعد الوزير إلا الرئيس. اهتمام رسمي لم يفعله يوماً نشطاء شبكات التواصل ولا تجار التريندات من «السوريين البيض» لأي معتقل أو ضحية من الجزيرة.
وبناءً على هذه المعلومة الوزارية الموثوقة جداً، فعلت ما يفعله أي شخص طبيعي يهتم بمصير زميل له من أبناء مدينته: أطلقت نداءً لكشف مصير البرجس. تواصلت مع صحفيين. طالبت رابطة الصحفيين السوريين في المنفى، التي كنت عضواً فيها، بإصدار بيان. طالبت نقابة الصحفيين السوريين بإصدار بيان. أرسلت لأصدقاء يعملون في قنوات فضائية شهيرة أن يسألوا أي ممثل رسمي لقسد يظهر على شاشتهم عن مصير فراس البرجس، مؤكداً أن تصريح الوزير يمكن اعتماده مدخلاً للسؤال.
بعد إطلاق النداء والحملة، فاجأني أحد المعلقين على صفحتي في فيسبوك بتعليق يقول فيه، حرفيا بما معناه، إن البرجس موجود في سجن الأقطان. طلبت منه المصدر، فأورد صورة لورود اسمه في كشوفات السجن. لكن ردي عليه كان لا مبالياً بما قدمه من معلومات، وكتبت بما معناه: قد يكون اسمه في الكشوفات، لكن الوزير قال إنه غير موجود ونُقل إلى عين العرب. وأي وزير الذي قال واستند الى قوله، وزير المعلومات! كما تسميه بعض الدول، أي نبع المعلومات ومصدر المصادر.
بدأت أفكّر بطريقة نقله إلى عين العرب رغم الحصار، فخمنت وجود نفق يربط الرقة بعين العرب. أمر واقعي ويمكن تصديقه، بعد انكشاف شبكة الأنفاق الديموقراطية التي تركتها قسد خلفها. أمر يُصدّق بسهولة، فالمسافة لا تتجاوز 120 كيلومتراً، وشبكة الأنفاق الديموقراطية إذا جمعناها تلفّ الكرة الأرضية مرتين. ثم، وفجأة، وأنا أقلب فيسبوك، شاهدت فراس البرجس خارجاً من سجن الأقطان. صُدمتُ، مع كثير من الفرح. تبيّن أنه كان موجوداً هناك، ثم خرج. هذه «السالفة» باختصار، لا سجن سري، لا تحت الأرض ولا فوق الأرض، لا عين العرب، ولا كوباني، ولا اختفاء سحري غامض.
كتب لي لاحقاً أحد الأصدقاء تعليقاً يقول فيه حرفياً بما معناه: «طلع ربيعك وزير الإعلام ما عنده سالفة… فراس طلع من الأقطان». فكتبت له: «أعرف، لقد ضللني… وسأكتب عن ذلك لاحقاً». خلال حياتي كلها، لم أنشر خبراً لم أدقّقه. وأنا لست وزيراً ولا غفيراً، ولا أحد ينقل عني تصريحاتي. وما أكتبه يقرأه أصدقائي وبعض المارّة. وفي حال نشري منشوراً تبيّن عدم دقته؛ وهذا حدث مرتين فقط خلال حياتي، بسبب مصادر «زي إحسان السيد الوزير»، أكتب توضيحاً واعتذاراً.
وعندما جئت لأكتب هذه المادة، وجدت أن وزير الإعلام حذف تغريدته. يا أخي، قول أعوذ برب الفلق..، هذا لا يجوز. أنت وزير.. وزير. والوزير يصدر توضيحاً واعتذاراً، لا يحذف التغريدة «عالْهَسّي الهَسّي… لا من شاف ولا من دري». هذا سلوك لا يسلكه صحفي متدرّب في تلفزيونك السابق.
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه ويدندل رجليه منذ تلك الواقعة:
إذا كان وزير الإعلام لا يعرف أين يوجد معتقل، ثم يبني تصريحاً رسمياً على معلومات غير صحيحة عن معتقل في سجن استلمته السلطة التي هو وزير إعلامها، فمن يعرف إذًا؟ وحقيقةً، ومن باب الفضول، أتمنى أن أعرف مصدر معلومات الوزير: هل هو «جني قسدي» أرسلته فوزة أو إلهام ليضلّل الوزير ثم تفضحه لاحقاً! أم هو «أنسي» يعمل في وزارة الإعلام؟ أم أن الوزير يستقى معلوماته من وكالة «قالوا لي»، الوكالة الأكثر انتشاراً عند السوريين، والتي يتضح أنها صارت الوكالة الرسمية لوزير المعلومات.
الوزير هنا لم يضلل الرأي العام فقط، بل جرّ الآخرين إلى تضليل غير مقصود، ثم انسحب بهدوء بعد انكشاف خطأه، تاركاً الجميع في «بياض الوجه» ليقدّموا توضيحات لمن جرّوهم إلى الغرق في معلوماته الخاطئة والمضللة والمختلقة. نحن لا نتحدث عن إشاعة مقهى، ولا عن منشور عاطفي لناشط متحمّس. نحن نتحدث عن وزير إعلام، أي الشخص الذي يُفترض به أن يتحقق ويدقّق ويعرف قبل أن يكتب، لأنه يملك كل مصادر المعلومات الرسمية وغير الرسمية.
ويبقى السؤال الاستعجابي معلّقاً، لأن الحذف لا يلغي المسؤولية:
من أين جاء وزير الإعلام بهذه المعلومات! ومن سيحاسبه على نشرها! أم أن الحذف هو أعلى درجات الشفافية المتاحة لدينا! إذ يبدو أن وزير الإعلام عندنا يعمل وفق نظام: «غرّد أولاً، تحقّق لاحقاً، واحذف عند الضرورة دون ضجيج أو توضيح».
لذلك، ومن باب الحرص الوطني على هذه الدولة تحت التأسيس، ومن باب الحفاظ على مصداقيتكم، ومن باب تجنّب الإحراج اللاحق، أتمنى على الصحفيين والكتاب والسياسيين: رجاءً، لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري.
لأنك قد تبني موقفاً، أو تصدر بياناً، أو تكتب مقالاً، أو تطلق حملة، أو نداءً إنسانياً، ثم تكتشف أن المصدر الرسمي «ما عنده سالفة… وما يدري»، ويتصرّف كأنه مجرد ناشط تويتري ينشر ما يحلو له.
كنت قد كتبت قبل فترة منشوراً قلت فيه حرفياً بما معناه:
«لقد أزرى بي الدهرُ إلى درجة أصبحتُ أنتقد وزير إعلام سوري».
الحوار المتمدن
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=82922






