تسارع الأحداث في سوريا يتماشى مع تسارع الأحداث في الشرق الأوسط والعالم

شرفان سيف الدين
بعد السابع من أكتوبر تشرين أول من عام 2023م ومغامرة حركة حماس بإطلاق العملية العسكرية داخل الأراضي الإسرائيلية، وتواتر الأحداث في تسارع مستمرّ في الشرق الأوسط، فقد بات واضحاً أنّ تغيير الخرائط الجيوسياسية والجيوستراتيجية بدأت تتحوّل بشكل متسارع، وزادت وتيرتها بشكل أكثر مع وصول الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لسدّة الحكم في ولايته الثانية.
توصّلت القوى الغربية لنتيجة حتمية ومتّفَق عليها، وهي أنّ إيران تقود محور الشغب والفوضى في الشرق الأوسط (بحسب نظرتها لهذا المصطلح طبعاً)، فبدأت بتصفية أذرعها في المنطقة الواحد تلو الآخر في خطوة عملية لإبعادها جغرافياً عن إسرائيل، مع إمكانية توسّعها ولو عن طريق الهيمنة بدلاً من التوسّع الجغرافي الطبيعي، وذلك من خلال فرض وصايتها على الحكام الجدد وإخضاعهم لإدارتها بشكل مباشر وعلنيّ أو غير مباشر على أن تكون النتيجة والمحصّلة تحقيق الهدف ذاته.
بدأت بالقضاء شبه العسكري على حركة حماس داخل قطاع غزة، ومن ثم تصفية قيادات الحركة في الداخل والخارج، بالإضافة إلى تصفية قيادات حزب الله والمتنفّذين الرئيسيّين، ومن ثم إسقاط الحليف السوري بعد فقدان الأمل في ترويضه وتعويمه عربياً، وأخيراً الضربات المباشرة الموجّهة لمواقع المنشأة النووية، واغتيال أبرز القيادات الإيرانية الراديكالية.
بات من الواضح أنّ مخطّط إسقاط النظام البعثي في سوريا خلال أحد عشر يوماً، وكيفية إيصال السلطة المؤقّتة الحالية لإدارة البلد تحت وصاية دولية وبدعم وتكفّل عربي خليجي على وجه الخصوص، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية، كان أيضاً نتيجة توافق دولي وإقليمي. كل ما سبق لا يختلف عليه أحد، ولكن توافق الجميع على البديل كان بمثابة الصدمة للمجتمع المحلّي السوري؛ فالجهة التي تولّت السلطة في سوريا غريبة وبعيدة كل البُعد عن تطلّعات الشعب السوري، فبالرغم من تمسّك جزء من المجتمع السوري والتزامه بالدين إلّا أنّه لم يكن يوماً من الأيام متزمّتاً أو متطرّفاً، وعليه فإنّ سقوط أو إسقاط سلطة بعثية قومية عروبية وتحوّلها لسلطة دينية متزمّتة راديكالية تُعَدّ بمثابة الصدمة والإحباط للمجتمع السوري الذي لم يخرج منها منذ عام على هذا التغيير الشكلي في بعض الوجوه وليس جميعها.
تسارع الأحداث في سوريا مع بداية العام الحالي:
مع توقيع اتفاقية العاشر من مارس آذار 2025م وتأمّل الشعب السوري الخير فيما هو قادم رغم تزامن هذا التوقيع مع أحداث الساحل السوري المأساوية بحق الطائفة العلوية، ولكن رغم ذلك أبدى المجتمع السوري تفاؤله بإمكانية التعايش السلمي فيما بين مكوّناته، وكانت هذه الاتفاقية بمثابة بصيص أمل لما هو قادم، لكن ما حدث بعد ذلك من تهميش متعمّد لجميع شرائح المجتمع والمكوّنات في إمكانية لملمة الجرح السوري في الإعلان الدستوري، وتعيين الرئيس لمدة خمس سنوات، ومن ثم كانت لأحداث السويداء الوقع الأعظم على مدى تحقيق العدالة الاجتماعية، لتهدئة الأوضاع على الجبهة الجنوبية بعد التدخّل الإسرائيلي المباشر على الخط، وفرض الحماية على الطائفة الدرزية، فبدأت الآلة الإعلامية الرسمية بالحشد ضدّ الشمال السوري وشرقه وخاصةً المكون الكردي وتجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية، متذرّعة بأنّ المهلة الزمنية لتطبيق اتفاقية العاشر من آذار تنتهي مع انتهاء العام، وبالتالي إن لم يطبّق بنوده بالطرق الدبلوماسية والسياسية فيجب تطبيقها بالطرق العسكرية، فكانت معارك حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية بمثابة انتهاء حالة الهدنة الطبيعية ما بين سلطة دمشق المؤقّتة والمناطق الخاضعة للإدارة الذاتية الديمقراطية، رغم عدم وجود حقيقي لقوات سوريا الديمقراطية ضمن الحيَّين فهي بموجب اتفاق الأول من نيسان من العام المنصرم قد سحبت كامل عتادها الثقيل وأبقت على قوى الأمن الداخلي للحفاظ على الأمن والأمان داخلها، إلّا أنّ السلطة الحالية وبتحريض تركي مباشر أصرّت على إخلاء الحيَّين من أي مظاهر كردية أو أمنية، وكانت النتيجة مقاومة شعبية انتهت بملحمة وطنية. لكن يبدو أنّ مشروع الشرق الأوسط أكبر بكثير ممّا يتم تداوله للعموم، وأنّ ما يُدار ويخطّط له يستهدف الدول والجغرافية السياسية الحالية، وهي عملية ترتيب جديد لحدود الدول وهيمنتها وسيادتها وإرضاخها للهيمنة العالمية المتواجدة حالياً، ويبدو أنّ الهدف الكبير التالي في المنطقة هي إيران، وأنّ الحشد والترتيب يتم على هذا الأساس. وعليه فإنّ ما يمكن ملاحظته في سوريا هو:
– السلطة الحالية بقيادة أحمد الشرع الرئيس السوري المؤقت هو استثمار سعودي في المنطقة، وعليه تم طرحه بقوة المال السياسي على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وافق بطبيعة الحال بالتوازي مع العرض المالي المغري.
– الولايات المتحدة الأمريكية تعيد للواجهة قوة وسيطرة الإسلام السياسي في كل من أفغانستان للاستفادة منها في مواجهة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وفي سوريا لمواجهة إيران وأذرعها في العراق ولبنان.
– تركيا تتنازل عن كل شيء في مقابل عدم ولادة تجربة كردية جديدة في المنطقة على غرار تجربة جنوب كردستان، وعدم حصول الكرد على أي نوع من الاعتراف بالحكم الذاتي أو اللامركزي أو الفيدرالي.
– إسرائيل تحصل على ما تريد بأقل جهد سياسي وأقلّ خسارة ميدانية أو عسكرية، وبالتالي تحافظ على أمنها من خلال خلق خط دفاع بشري وجغرافي مباشر مع القوى الراديكالية الإسلامية الحاكمة لدمشق مؤقّتاً.
– ضرب أي مشروع ديمقراطي مدني، وذلك من خلال إبعاد المعارضة السياسية العَلمانية المدنية عن أي نشاط أو عمل سياسي يخدم الشعب السوري.
– خلق حالة من الفوضى المجتمعية ضمن النسيج السوري، وترسيخ فكرة تفكيك المجتمع عن طريق المناداة بالطائفية والعرقية والقومية وغير ذلك.
هل خُدِع الكرد في سوريا؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا أولاً دراسة ماهية العلاقة أساساً ما بين الكرد والقوى الفاعلة:
– الولايات المتحدة الأمريكية: بدأت العلاقات الرسمية وفتح القنوات معها عملياً مع الغزو الإسلامي الداعشي لمدينة كوباني (عين العرب) نهاية عام 2014م، فبعد تدخّل الطيران الأمريكي وإبعاد التنظيم عن حدود المدينة وتشكيل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بعد تفاقمه في كل من العراق وسوريا، وانضمام الدول الغربية والإقليمية إليه؛ كان لابدّ من إيجاد صيغة قانونية دولية لضمّ القوات المحلية في سوريا لها، خاصةً أنّ النظام السوري كان مستبعَداً من إمكانية التعاون معه، لأنّه كان من طرف تحت هيمنة القرار الروسي الإيراني، وكان متّهماً أساساً بارتكاب جرائم إنسانية بحقّ المتظاهرين ضدّه وارتكاب المجازر بحقّهم، وبعد فشل الاعتماد على الفصائل العسكرية التابعة لما كان يسمّى حينها بالجيش الحر، لم يبقَ أمام القوى الدولية سوى وحدات حماية الشعب عندئذ، وبالتالي تم ضمّ بعض الفصائل الأخرى العسكرية وتشكيل قوات سوريا الديمقراطية لتكون القوة الفاعلة على الأرض وبصفة رسمية، وعليه كانت الولايات المتحدة الامريكية واضحة وصريحة لأبعد الحدود مع هذه القوات؛ بأنّ العلاقة معها تكتيكية ومرحلية وليست استراتيجية، وقد تبيّن ذلك بكل وضوح في الاجتماع الأخير لدول التحالف في المملكة العربية السعودية دون توجيه أي دعوة رسمية كشريك لهذه القوات، وعليه يمكننا القول أنّ التخاذل الأمريكي هو تخاذل أخلاقي ليس إلّا، وفي السياسة الاقتصادية والربحية ومع وجود رئيس كالرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب توضع الأخلاق جانباً.
– فرنسا: رغم استقبال الدبلوماسية الفرنسية وعلى أعلى مستوى للقيادات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية في قصر الإليزيه، إلّا أنّ وزنها الدبلوماسي محدود جداً رغم أنّها ثاني أقوى اقتصاد في الاتحاد الأوربي، لكن المشاكل الحالية التي تلتهي بها جميع دول أوروبا تجعل من القضايا العالمية الأخرى ثانوية، ولوحظ ذلك من خلال انسحاب فرنسا من بعض الدول الأفريقية التي كانت مهيمنة عليها ولو بالجانب الاقتصادي مع تفاقم المشكلة الروسية – الأوكرانية، وقضية جزيرة غرينلاند الدانماركية مع الولايات المتحدة الأمريكية، كل ما سبق يجعل دورها مقوّضاً باتجاه الكرد، لكن يؤخذ عليها أنّها كانت الراعية الرسمية لاتفاقية باريس على أرضها، ممّا يجعلها شريكاً في المأساة الكردية وكعودة تاريخية لاتفاقية سايكس – بيكو ولوزان.
– روسيا: انتهى الدور الروسي في سوريا فعلياً مع سقوط النظام البعثي البائد وبشار الأسد، وما القواعد الحالية لها في الساحل السوري ومطار القامشلي الدولي إلّا لحماية مصالحها الخاصة بانتظار ما وعدتهم به أمريكياً من مكاسب.
– إسرائيل: رسمياً لم يتم الإفصاح من الجانبين الإسرائيلي أو الكردي عن أي علاقات رسمية أو تعهّدات أو اتفاقيات بحماية أو تقديم أي نوع من المساعدة اللوجستية أو الدبلوماسية، وعليه تبقى في حال وجود أي علاقة أساساً مجرد علاقة هلامية ضبابية غير واضحة المعالم، ولا يمكن بالتالي تحليلها أو تفسيرها.
– تركيا: العلاقة التركية الكردية على مدى القرن الماضي واضحة وصريحة، وتتركّز على رفض أي نوع من المطالب بالاستقلال أو الفيدرالية أو اللامركزية أو الحكم الذاتي للكرد، وهو يترسّخ من خلال قضائه على معظم الثورات الكردية بطريقة قمعية وصارمة، وهي تحارب حركة التحرّر الكردستانية على هذا الأساس منذ أكثر من أربعين عاماً، ورغم مسار الحل الذي أطلقه السيد عبد الله أوجلان منذ ما يقارب السنة إلّا أنّه لا توجد أية بوادر حقيقية أو نيات إيجابية من طرف الدولة التركية لتبنّي هذا المسار، وعليه فإنّ التدخّل التركي السافر في السيادة السورية الحالية، والسيطرة الكلية على مفاصل القرار، مع الاحتلال المباشر ووضع بعض قواعدها في هذه الأراضي ما هو إلّا دليل قاطع على عدم تقبّلها لأي حلّ ديمقراطي مدني.
– الدول العربية: لم تخرج العلاقة مع الدول العربية من نطاقها الخجول مع فتح مكتب للإدارة الذاتية في العاصمة المصرية القاهرة، دون أي عمل جادّ في التواصل مع دول الخليج العربي، أو ربّما كانت المحاولات قائمة وترفض من الطرف المقابل.
ما هو المطلوب حالياً؟
يبدو أنّ الاتفاق الأخير الموقّع في الثامن عشر من يناير كانون الثاني الجاري، والمرسوم الرئاسي رقم (13) الخاص بالكرد، هو عرض نهائي لكرد سوريا من قبل الأمريكان لتقبّل هذه الحقيقة، وهي حقيقة لا يمن تجاوزها ولا بأيّ شكل من الأشكال، وعليه فإن قبول أو عدم قبول هذا العرض يعود للشارع الكردي وقياداته السياسية التي تناغم وجهة نظرها مع بعضها، من خلال الإعلان الأخير للنفير العام الكردي ومدى الاستجابة الشعبية الداخلية وفي أجزاء كردستان الأخرى وحتى العالم، إنّ تعزيز وحدة الصف الكردي ضرورة ملحّة، وتبيّن ذلك خلال الأيام القليلة الماضية التي اصطفّ خلالها الشارع الكردي حول نداء قيادته دون قيد أو شرط، إنّ قبول بنود الاتفاقية الحالية الموجودة على الطاولة والمرسوم الرئاسي هما قرار مشترَك ما بين القيادة والقاعدة، لكن في كل الأحوال – وإن تم قبوله – فإنّ العمل سيكون مستمرّاً على تثبيتهم في دستور البلاد قانونياً، وسيكون بمثابة فرصة واستراحة مقاتل لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية ومتابعة الوضع الإقليمي، وما ستؤول إليه مجريات الأحداث، وخاصةً على الجبهة العراقية والإيرانية، والتهديديات الأمريكية الموجّهة بإسقاط النظام فيها مع ما يرافقها من احتجاجات داخلية رافضة للأوضاع بشكل عام. كما أنّه من الضرورة بمكان المحافظة على التكتّل الكردي الباقي وعدم التفريط فيه، وتعرّضه أيضاً لأيّ مساومة سياسية أو تهجير أو انتهاك بحقّه.
NRLS‏

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top