أمريكا تستهدف المركز وإسرائيل تضرب الأطراف، من يدير معركة إيران؟

د. محمود عباس

قراءة في تباين الاستراتيجيات بين الإمبراطورية والدولة الأمنية في رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد.

يبدو أن مصير إيران قد يسير في مسارٍ يُشبه، من حيث البنية السياسية، ما حدث للعراق في زمن صدام حسين. في الحالة العراقية كانت الذريعة المعلنة هي أسلحة الدمار الشامل، بينما كان البعد الأعمق مرتبطًا بإعادة ضبط موازين الأمن الإقليمي، وعلى رأسها أمن إسرائيل والمصالح الاستراتيجية الأمريكية. واليوم تتكرر المعادلة بصورة مختلفة: العنوان هو البرنامج النووي والصواريخ البالستية، لكن جوهر الصراع ما يزال يدور في إطار إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بما يخدم المنظومة الأمنية الأمريكية–الإسرائيلية.

الولايات المتحدة، بوصفها القوة الدولية الأكثر نفوذًا حتى الآن، لا تتعجل المواجهة الشاملة، لكنها لا تُغفل خصومها. سياستها تقوم على إدارة الوقت لا إهداره؛ تضغط حين تقتضي الحاجة، وتفتح نوافذ التفاوض حين يخدم ذلك استراتيجيتها الأوسع. هي تصنع مساحات توتر، ثم تعيد ضبطها، بهدف إضعاف البنية الصلبة للسلطة الدينية في إيران، كما كان الهدف في العراق تقويض هيمنة حزب البعث الذي كان يسيطر على الدولة والمجتمع بمنطق القبضة الأمنية.

إيران تدرك أنها جزء من هذا التحول الإقليمي الكبير. ولذلك فهي تتحرك بمنطق البراغماتية الحذرة، محاولةً الحفاظ على توازنها عبر سياسة مرنة تقوم على المناورة وكسب الوقت، خاصة بعدما خسرت أذرعها. فهي تعلم أن القبول الكامل بالشروط، إن حصل، لن يقتصر على الملفات المعلنة في عمّان أو جنيف، بل سيتجاوزها إلى إعادة صياغة موقعها الإقليمي ودورها الأيديولوجي.

إسرائيل، بوصفها دولة معنية أولًا بأمنها المباشر، تتحرك ضمن مسار التغييرات الجارية في الشرق الأوسط من زاوية حماية هذا الأمن. لذلك ركّزت استراتيجيتها، في مراحل سابقة، على تفكيك أذرع إيران الإقليمية وأدواتها الممتدة في محيطها، أكثر من تركيزها على ضرب البنية المركزية للدولة الإيرانية ذاتها. فقد كان استهداف الأطراف، في حساباتها، أقل كلفة وأسرع أثرًا في تقليص التهديدات المباشرة.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة، باعتبارها قوة كبرى ذات حسابات أوسع، إلى الصورة من منظور مختلف. فهي لا تتعامل مع الأدوات الإقليمية إلا بوصفها وسائل مرحلية تُستخدم أو يُتخلى عنها وفق مقتضيات المصلحة، كما هو الحال في تعاملها مع بعض الحكومات أو القوى الانتقالية في المنطقة. غير أن تركيزها الاستراتيجي لا ينحصر في الأذرع، بل يمتد إلى مراكز القوة ذاتها، وإلى البنية التي تنتج تلك الأذرع. من هنا يظهر أحيانًا تباين في زوايا النظر بين واشنطن وتل أبيب بشأن كيفية إدارة المواجهة مع إيران أو احتواء نفوذها.

أما ما يُلاحظ من تمدد إسرائيلي في القرن الإفريقي، وإن جاء ضمن سياق تنسيق أو دعم أمريكي في بعض مراحله، فإنه يتجاوز مجرد مواجهة الحوثيين أو تقليص النفوذ الإيراني في البحر الأحمر. ففي الحسابات الأمريكية الأوسع، يدخل هذا التحرك ضمن استراتيجية احتواء النفوذ الصيني المتصاعد في الممرات البحرية الدولية، ثم الحد من التمدد الإيراني الذي يتقاطع معه في بعض الساحات. وهكذا تتداخل الحسابات الإقليمية مع التنافس الدولي الأكبر، في مشهدٍ تتعدد فيه الأهداف، وإن اختلفت أولويات الفاعلين.

تركيا بدورها تستوعب هذه التحولات، وتسعى للتموضع داخل ساحات النفوذ التي ترتبط بالمصالح الأمريكية، لتجعل من تدخلاتها أوراقًا تفاوضية تُستخدم عند الحاجة، لذلك امتعضت عندما أزيلت من دور الوسيط في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، بل قامت أمريكا بمعاقبة بعض شركاتها التي كانت تتعامل مع إيران في مجال النفط، وعرضتها كحجة لعزل تركيا، لكن في البعد الإستراتيجي هي بدايات إدراجها في مخطط التغيير الجاري في الشرق الأوسط، وخلافاتها مع إسرائيل إستراتيجية، تقف ورائها الدولة العميقة الأمريكية العصرية، حتى ولو أنها تكاد تكون كخدع سياسية، يتم التلاعب بها على القوى الإقليمية كحماس والحكومة السورية الانتقالية. أما ما جرى في سوريا، فيبدو في جانب منه جزءًا من ترتيبات مرحلية تخدم إعادة تشكيل أوسع للمشهد. فالجهات ذات الخلفية الأيديولوجية الدينية التي تدير دمشق، مهما بدّلت خطابها أو عدّلت صورتها، تبقى محكومة ببنيتها الفكرية، وهو ما تدركه القوى الدولية جيدًا. لذلك يتم التعامل معها باعتبارها مرحلة ضمن مسار أكبر، لا نهاية له.

التحولات لا تقتصر على تبديل حكومات أو تغيير نخب، بل تمسّ البنية العميقة للأنظمة، وامتداداتها المذهبية والسياسية، وقد تتبعها لاحقًا تحولات جغرافية وظهور قوى سياسية جديدة لم تكن في الحسبان. قد لا تكون الخطوط الدقيقة للاستراتيجية واضحة للعلن، لكن الاتجاه العام يبدو مرسومًا، إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط على أسس مختلفة عما عرفناه خلال العقود الماضية.

نحن، على الأرجح، أمام مرحلة انتقالية طويلة، تُدار من قبل الدولة العميقة الأمريكية العصرية، وبقوة الدولة العميقة الكلاسيكية، أي العسكرية، بتدرج وحسابات دقيقة. وقد لا تستطيع أي قوة منفردة إيقاف هذا المسار بالكامل، لكنها قادرة على التأثير في سرعته وشكله النهائي.

الولايات المتحدة الأمريكية

7/2/2026م

Scroll to Top