المسؤولية عن العنف تقع دائمًا على الآخرين، وليس على الإسلاميين – كيف يشوّه خبراء سوريا في “شبيغل” ووسائل إعلام أخرى الواقع

مقال من موقع NZZ السويسري حول التغطية المنحازة في موقع شبيغل الألماني لصالح النظام السوري الجديد.

قد تبدو أسماء مثل “معهد الشرق الأوسط” و”المجلس الأطلسي” رنانة. لكن عند التدقيق أكثر، لا يبدو المحللون مستقلين إلى هذا الحد. فمعهد الشرق الأوسط الذي يعمل فيه تشارلز ليستر يتلقى منذ سنوات تمويلا، من بين جهات أخرى، من السفارة السعودية، وسفارة الإمارات العربية المتحدة، والسفارة القطرية. وفي عام 2025 وحده، دعمت السفارة القطرية مركز الأبحاث هذا بمليون دولار.

تُلاحَق الأقليات، والتعذيب أمر يومي: في سوريا يسود نظام عنيف حتى بعد سقوط الأسد. وسائل الإعلام تمارس التجميل والتلطيف.

سوريا بلد معقّد: 60 عاما من الديكتاتورية – منها 54 عاما تحت حكم عائلة الأسد، ومنذ عام 2011 حرب أهلية، وفوضى مستمرة حتى اليوم، حتى بعد سقوط الأسد. في الشمال الشرقي، قاتلت قوات حكومية إسلامية ضد ميليشيا قسد ذات القيادة الكردية. في دمشق، العاصمة، يعظ الإرهابي البارز الجولاني – الذي كان مطلوبا سابقا – والذي أصبح الآن الرئيس المُعيّن ذاتيا الشرع – بالوحدة والاستقرار والسلام. الحرب مع إيران التي اندلعت قبل أيام جعلت الوضع في الشرق الأوسط أكثر تعقيدا.

قد يقول المرء لحسن الحظ إن هناك خبراء في شؤون سوريا يقدمون فهما للوضع. لكنهم في كثير من الأحيان ليسوا محايدين كما يظهرون.

خبير يظهر في وسائل إعلام دعائية لأردوغان

تقاريرهم وتحليلاتهم لها عواقب، إذ تشكّل صورة مشوّهة عن سوريا. يتم تصوير مجرمين إسلاميين كرجال دولة يجلبون الاستقرار، بينما يتم التقليل من شأن المجازر ضد الأقليات والإرهاب واضطهاد النساء. وكل ذلك يحدث يوميا في سوريا. فقط الموجات الكبيرة من العنف، مثل مجزرة العلويين في مارس 2025 التي راح ضحيتها أكثر من 1500 شخص، ومجزرة الدروز في يوليو التي تجاوز عدد ضحاياها 1000، هي التي تجذب انتباهنا. وحتى في هذه الحالات، يتم تفسيرها في وسائل الإعلام الألمانية على أنها “أعمال انتقام” أو “نتائج لصراعات جيوسياسية أو قبلية”، ويتم إنكار الأيديولوجيا الإسلامية التي تقف وراء هذه الفظائع.

لنأخذ مثالًا مقالا في “شبيغل” نُشر في منتصف يناير، وشاركه سياسيون ألمان وخبراء على وسائل التواصل. عنوانه: “ما اللعبة التي تلعبها أقوى ميليشيا كردية في سوريا؟”. مجرد النظر إلى أسماء المؤلفين يثير الشكوك حول حياديته. فإلى جانب محرر شبيغل “كريستوف رويتر” والمراسل مهند الخليل النجار، نجد أيضًا الصحفية شيلي كيتلسون، التي تعيش في بغداد وتكتب لوسائل إعلام دولية، لكنها تعمل بانتظام أيضا مع قناة TRT، وهي قناة دعائية حكومية تابعة للرئيسس التركي رجب طيب أردوغان. وهذا يشبه كتابة تقرير عن دونباس بمشاركة صحفية تعمل لدى روسيا اليوم.

تحاول تركيا منذ سنوات القضاء عسكريا على الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا، المعروفة أيضًا باسم روجافا. ففي 2018 دخلت عفرين بمساعدة مرتزقة جهاديين من الجيش الوطني السوري، وفي 2019 دخلت مناطق حول كري سبي وسري كانيه، حيث أقامت نظام احتلال قاسيا. كما تنفذ تركيا منذ سنوات غارات جوية على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد. واليوم أيضا يقف أردوغان خلف الرئيس السوري الشرع ويدعم محاولاته لإخضاع الأكراد بالقوة لنظامه الإسلامي السني. وترافق قناة TRT هذه التدخلات عسكريا ودعائيا وتبررها.

من الذي يُحتفى به هنا؟

ليس من المستغرب إذا أن يصور مقال شبيغل قوات قسد كعامل زعزعة للاستقرار، بينما يُعرض سلوك الشرع كسياسة ضرورية لفرض النظام. في الوقت نفسه، تتزايد التقاريرعن فظائع ضد المدنيين الأكراد. يظهر الإسلاميون وهم يتباهون بضفائر مقطوعة لنساء كرديات قُتلن، وحتى نقابة الشرطة الألمانية تحذر من عودة إرهابيي داعش الذين تم إطلاق سراحهم من السجون خلال القتال مع قسد. ومع ذلك، بالنسبة لـشبيغل، المشكلة ليست الإسلاميين، بل صراع السلطة الذي تخوضه قسد. لماذا؟ لأن الأكراد – حسب هذا الطرح – يهددون السلام الهش في سوريا بأكملها.

مدى انحراف هذا التحليل يتضح من فرضية المقال، التي تقول إن هناك سردية نجح نشطاء أكراد ويساريون أوروبيون في ترسيخها، تركز فقط على الأكراد المهددين. لكن في الواقع، تتدفق الأموال الأوروبية إلى دمشق، وليس إلى روجافا. كما أن الحقيقة أن لا الأكراد ولا الأقليات الأخرى مثل الدروز أو العلويين يحظون بدعم فريدريش ميرتس أو أورسولا فون دير لاين أو دونالد ترامب، بل يتم التودد للرئيس السوري شراع، الذي لم يُنتخب ديمقراطيا.

نظرة مخففة إلى إرهابي سابق ذو شخصية كاريزمية

ليست هذه الحالات فريدة في التغطية الإعلامية لسوريا. ففي تقارير أخرى لـشبيغل، يُلمّح إلى أن الأكراد والدروز وحاميتهم إسرائيل هم من يثيرون الانقسام في سوريا الجديدة. في المقابل، يُقدَّم الشرع بصورة إيجابية، حيث يوصف بأنه “إرهابي سابق كاريزمي” يمتلك الهالة والمهارة للحفاظ على وحدة سوريا.

لكن الشرع نفسه لم يتبرأ لا بالكلام ولا بالأفعال من ماضيه مع القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، حيث كان مسؤولا عن جرائم ضد الإنسانية. بل على العكس، قال خلال زيارة للجالية السورية في نيويورك في خريف 2025: “أنا فخور بتاريخي ولا أخجل من أي مرحلة مررت بها”. كما أن المجازر التي وقعت ضد العلويين في الساحل في مارس، وضد الدروز في السويداء في يوليو، نفذتها وحدات كانت تحت قيادته.

ولا يقتصر الإسهام في هذا الإدراك المشوّه على المراسلين وحدهم، بل يشارك فيه الخبراء أيضا. وفي مقدمتهم: تشارلز ليستر، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute)، وعمر أوزكيزيلجيك، الزميل في مركز الأبحاث «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council) والعامل في أنقرة. كلاهما يظهر منذ ديسمبر 2024 بوصفه خبيرا مستقلا في شبيغل، وكذلك في وسائل إعلام ألمانية كبيرة أخرى مثل “فيلت” و”فرانكفورتر ألغيماينه تسايتونغ”.

قد تبدو أسماء مثل “معهد الشرق الأوسط” و”المجلس الأطلسي” رنانة. لكن عند التدقيق أكثر، لا يبدو المحللون مستقلين إلى هذا الحد. فمعهد الشرق الأوسط الذي يعمل فيه ليستر يتلقى منذ سنوات تمويلا، من بين جهات أخرى، من السفارة السعودية، وسفارة الإمارات العربية المتحدة، والسفارة القطرية. وفي عام 2025 وحده، دعمت السفارة القطرية مركز الأبحاث هذا بمليون دولار.

وقبل انتقاله إلى معهد الشرق الأوسط، عمل ليستر زميلا في مركز بروكينغز الدوحة، وهو أيضا مركز أبحاث تُعد قطر أكبر ممول أجنبي له. وكان زملاء سابقون قد تحدثوا قبل سنوات قليلة في “نيويورك تايمز” عن رقابة، وقالوا إنهم مُنعوا من توجيه انتقادات للسياسة القطرية. وفي ما يتعلق بسوريا، فإن هذا الارتباط القطري في مسيرة ليستر له دلالة، لأن قطر تُعد منذ سنوات أحد أهم داعمي الميليشيات الإسلامية هناك، كما أنها تقف اليوم بقوة إلى جانب الحكومة الجديدة في دمشق.

ومن ثمّ، توجد أسباب للشك في حياد خبرة ليستر. فتصريحاته في وسائل الإعلام الألمانية تبدو في كثير من الأحيان كأنها تبريرات للقيادة الإسلامية الجديدة في سوريا. على أن ليسترلا يصفها بالإسلامية، بل يتحدث فقط عن “دوائر محافظة”. وحين سُئل في مقابلة مع «شبيغل» عن سبب عدم وجود انتخابات حرة وديمقراطية في سوريا، أجاب: “لو أعلنت الحكومة الانتقالية غدًا فجأة أن الأحزاب السياسية أصبحت مسموحة، فسيكون هناك خطر كبير بأن يؤدي ذلك إلى عدم الاستقرار. فالمجتمع ببساطة ليس مستعدًا لذلك بعد”.

وعندما سُئل عن غياب الانتخابات الديمقراطية، قال إن السماح المفاجئ بالأحزاب قد يؤدي إلى عدم الاستقرار، لأن المجتمع “غير مستعد بعد”. كما يقلل من مخاوف الأقليات، ويعزوها إلى معلومات مضللة من إيران أو إسرائيل، ويصف مقاطع توثق الجرائم بأنها محتوى طائفي صادر عن آلاف الحسابات الوهمية.

على منصة X تظهر ميولهم بوضوح أكبر

الوضع مشابه مع أوزكيزيلجيك، الذي لديه ارتباطات أقوى بالدولة التركية، إذ عمل سابقا في مؤسسة “سيتا” المقربة من نظام أردوغان. كما دافع مرارا عن العمليات العسكرية التركية ضد الأكراد، بل دعا عام 2020 إلى “تطهير” منطقة تل رفعت. ويبرر منذ سنوات عبر قناة TRT التدخل التركي في سوريا، ومنذ سقوط الأسد يُظهر حماسه للحاكم الجديد الشرع في ظهوره التلفزيوني. حتى أنه فسّر ظهوره بالزي العسكري كدليل على أن الجيش السوري أصبح يحمي الشعب بدلا من مهاجمته، رغم المجازر المثبتة.

كما يظهر افتقار عمله العلمي للحياد، إذ أقر في تقرير عام 2020 أن دراسته استندت إلى علاقاته الشخصية داخل “”الجيش الوطني السوري”. وجاءت نتائجه متماشية مع الدعاية التركية، حيث صوّر هذه القوات كجيش وطني مستقل، متجاهلا أيديولوجيتها الجهادية وجرائمها، مثل التعذيب والقتل والاغتصاب.

على منصة X، يعبّر خبراء مثل ليستر وأوزكيزيلجيك عن تعاطفهم مع النظام الجديد بشكل أوضح، حيث يصورون عالما تكون فيه القيادة الجديدة تسعى لتوحيد سوريا، بينما تعمل الأقليات على تقويض ذلك بدعم من إسرائيل.

وبذلك، يصبح الآخرون دائمًا مسؤولين عن العنف وغياب السلام. وهي رواية تنسجم دون اعتراض مع الدعاية التركية والسورية والقطرية.

نقلاً عن INT

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top