شاهين بكر سويركلي، ذاكرة كردية على حافة النسيان

محمد دلي

مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.

منشور واحد كان كافياً ليهز القلب ويوقظ الضمير، على الأقل عندي، وأعتقد أن هناك كثيرين جداً مثلي، لكنهم غالباً صامتون، باستثناء قلة منهم، الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، الذي اكتفى بنداء استغاثة حول الموضوع.

أتحدث عن شاهين سويركلي، المثقف الكردي الذي تجاوز الثمانين، وهو يصارع المرض بصمت، وقد بات في عمر الكهولة، بعد أن قضى أكثر من نصف قرن من عمره منفياً في أستراليا، منكباً على خدمة اللغة والثقافة والقضية الكردية بعزيمة لا تعرف الانكسار.

أتذكره في فترة التسعينات من القرن الماضي، عندما سمعت من جار لي في حي الشيخ مقصود بحلب أن قريباً له من كوباني اقتنى طبلاً وزرنا، أخذهما مع مقتنيات تراثية أخرى من سوريا إلى أستراليا. هذا الرجل لم يكن مجرد ناشط، بل مؤرخاً شعبياً، وراوياً للألم والأمل، وفياً للقضية والوطن.

لقد راكم خلال حياته أرشيفاً هائلاً: كتباً، وأشرطة كاسيت، وأفلاماً، وصوراً موثقة، وأقراصاً مدمجة CD وDVD، وأجهزة تشغيل وبرمجيات، دفع فيها من ماله ووقته وجهده ما لا يُحصى. وهو أرشيف ليس ملكاً شخصياً، ولا مجرد تجربة نضالية فردية، بل ذاكرة جماعية وتوثيق حي لعمل ثقافي قام به في بلاد الغربة التي تجوّل فيها واستقر طويلاً في إحداها، وصرف عليها مبالغ مُكلّفة في حينها، ناهيك عن سنوات عمره. إنه جزء من أرشيف هام عن ثقافة وتاريخ شعب عاش في الظل، وتشتت في الأصقاع، وكتب وجوده بالكد والكرامة.

ومع تقدمه في العمر وتغير مكان إقامته، اضطر إلى التخلي عن جزء من هذا الإرث، وهو يواجه وحده معركة المرض والشيخوخة. لكن ما يؤلم أكثر من المرض، هو أن هذا الأرشيف، بكل ما يحمله من قيمة، بات مهدداً بالضياع. وهذا نموذج لكثيرين من النخب الثقافية والوطنية الكردية. هل يعقل أن تترك ذاكرة شعب تتآكل في صمت؟

هذه اللحظة تستدعي وقفة أخلاقية ومسؤولية جماعية، لا يمكن لفرد أو مجموعة أفراد أن يتحملوا عبء الإنقاذ وحدهم. إنها مهمة مؤسسات: اتحادات الكتاب، ومراكز الدراسات، والإدارات الثقافية في كردستان العراق، والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا. التدخل العاجل ليس ترفاً، بل واجب أخلاقي، ووفاء لذاكرة صنعتها المعاناة.

في المجال الكردي، خاصة في الشتات، كثيرون من النخب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والثقافية، لهم نتاجاتهم وأعمالهم المتميزة والرائدة، يمضون أعمارهم في البناء والشأن العام، يحققون نجاحات ويواجهون خيبات، لكنهم جميعاً يخلفون وراءهم ثروات أرشيفية ومعرفية وتجارب شخصية هامة لا تقل أهمية عن المال والعقار. في العالم، تحتضن هذه الثروات في مراكز بحثية ومتاحف تقام لهم خصيصا، وتصان كجزء من التراث الإنساني.

ذات مرة كنت في زيارة لإحدى البلدات الشمالية المطلة على البحر في الشمال الألماني، صادفت بيتاً كان يسكنه الكاتب الشهير مكسيم غوركي، عاش فيه فترة وكتب فيه رواية، ثم رحل عنها، ومع ذلك تم تحويل البيت بكل محتوياته إلى متحف خاص له، يستقبل الزوار ويعمل فيه موظف. وكذلك تم تحويل بيت الموسيقار الألماني المعروف بيتهوفن في مدينة بون إلى متحف، تؤمه آلاف الزوار سنوياً، الأمثلة كثيرة في أوروبا. والسؤال: متى سيكون لدينا مثل هذا الاهتمام اللائق؟

وعلى المستوى العالمي، أسست جوائز مرموقة، وتقام مهرجانات نخبوية كثيرة، تخلد الأسماء وتكرم الإبداع، لكن لا يعلم على وجه الدقة إلى أي مدى يؤرشف نتاج هؤلاء ويصان. أما على مستوى بلدان الشرق الأوسط، فلا يبدو أن هناك منظومات أرشيفية وتوثيقية منهجية تعنى بإرث الشعوب الأصلية كالكرد وغيرهم، رغم ما يحملونه من ثروات ثقافية وتجارب تستحق الحفظ والاستفادة عبر الأجيال.

نعم، في الشرق، تترك بقايا الحضارات الشامخة لتتآكل، وتهمل في لحظة هي أحوج ما تكون فيها إلى أدوات الاستمرار والارتقاء.

شاهين سويركلي ليس حالةً فردية، بل نموذجاً صارخاً، يضع أبناء جلدته أمام مسؤولية تاريخية: هل نترك ذاكرته تتلاشى؟ أم ننهض لإنقاذها، ونوفيها حقها من التوثيق والإيفاء والامتنان؟

ويعنينا جميعاً أمام السؤال الصعب والمرّ: ما العمل؟

فيما يلي موجز مختصر لسيرة ونتاجات شاهين سويركلي:

  1. شاهين بكر سوركلي: كاتب وشاعر كردي يعيش حالياً في أستراليا، من مواليد قرية مزرا عبروش (مزرعة عامود) عام 1942م، وتبعد عن كوباني غرباً مسافة 6 كم فقط.
  2. والده محمد علي بكر، معروف بلقب سوركلي نسبةً إلى مدينة سويرك، ومن هنا يحلو له أن ينادى بـ Shahinê Bekirê Soreklî. وهو من الكرد الذين يتحدثون اللهجة الزازاكية، أما والدته نائلة محمد علي بوزان عبروش فكانت تتحدث الكرمانجية. بذلك، ينحدر شاهين من أصول زازاكية وكرمانجية.
  3. درس المرحلة الابتدائية في كوباني، في مدرسة ريفية (Dibistana Zer)، وأكمل المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدارس حلب. نشأ في تلك البيئة الريفية حتى بلغ التاسعة عشرة من العمر.
  4. في عام 1965 قصد أوروبا لمتابعة دراسته، واختار مدريد في إسبانيا. أثناء توقفه في النمسا، أقنعه أحد الأصدقاء بالبقاء هناك، فدرس اللغة الألمانية، ثم التحق بإحدى الجامعات الألمانية، لكنه تركها وقرر الهجرة إلى أستراليا، وما زال مقيما هناك.
  5. في عام 1968 هاجر إلى أستراليا، حيث استقر هناك، وحصل على الجنسية الأسترالية، تزوج من امرأة أسترالية تدعى (روبين)، ولديه ولدان: جكرخوين وشاني.
  6. في أستراليا أسس أول إذاعة، وجمعية، ومعهدا للغة الكردية، كما شغل منصب رئيس القسم الكردي في إذاعة SBS الأسترالية.
  7. من خلال الإعلام الأسترالي دافع عن قضايا الشعب الكردي، مؤكدًا دعمه للقضية الكردية بعيداً عن أي انتماء حزبي أو سياسي، ودعا إلى نهضة ثقافية فكرية كردية جديدة.
  8. وهو رئيس القسم الكردي في إذاعة SBS الأسترالية، وقد حصل على الجنسية الأسترالية، وزار سوريا (كوباني) عدة مرات، آخرها في صيف عام 2007 مع صديق له من ألمانيا يدعى هورست.
  9. له عدة مؤلفات وروايات وأشعار، وغنى من أشعاره الفنان الكبير فقيه طيران أغنية (زينة)، وحضر عدة مؤتمرات في إقليم كردستان وغيرها من البلدان، ونشر له حوار في مجلة (الحوار الكردية)، ونشر بعض المقالات في مواقع إلكترونية، وآخر في موقع آفستا الكردية يحاوره الفنان زياد حمزة. وله أكثر من لقاء على فضائية روج تي في وفضائية كوردستان تي في.
  10. له روايتان: الضياع والعودة، والعديد من القصص القصيرة والقصائد الشعرية، ومئات المقالات المنشورة بلغات متعددة في كبرى الدوريات العالمية، وله أعمال مترجمة من الألمانية والإنجليزية.
  11. يتحدث شاهين سويركلي عدة لغات بطلاقة، منها: الكردية، العربية، الإنجليزية، الألمانية، كما لديه معرفة شفوية بالفارسية والتركية، بالإضافة إلى اللهجة السورانية.
  12. إلى جانب كتاباته الأدبية، عمل شاهين سويركلي مدرساً للغات الألمانية والعربية والكردية، وكصحفي ومذيع في الإذاعة، وله توثيقات مسجلة في أقراص مدمجة (CD, DVD).
  13. أنتج دروساً لتعليم اللغة الكردية في المهجر.
  14. يعتبر من أوائل الكتّاب الكرد السوريين الذين كتبوا شعر النثر باللغة الكردية، وقد ثابر على الكتابة بلغته الأم، ونشر أعماله في مجلات أدبية مختلفة.
  15. اعتمد على نفسه في رحلته، بعدما انتقل من حياة الرفاهية في كوباني وسوريا إلى حالة من الفقر والعوز في الغربة.
  16. عمل في العديد من الوظائف أثناء دراسته الجامعية.

للمزيد من المعلومات والتفاصيل يستطيع القارئ العودة إلى لقاء أجراه السيد عمر رسول معه، وهو منشور في موقع مدارات كردية على الرابط التالي:

https://www.medaratkurd.com/2018/10/14/2794/

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top