بقلم: دانية الشماس
في قلب أربيل، حيث تتعانق الحكايات القديمة مع إيقاع الحياة الحديثة، تقف الهوية الثقافية شامخة كجذرٍ لا يمكن اقتلاعه. مدينةٌ عاشت آلاف السنين، وما زالت حتى اليوم تحافظ على روحها رغم كل ما مرّ بها من تحولات.
عند الصعود إلى قلعة أربيل، يشعر الزائر وكأنه يسير فوق طبقات من التاريخ. حجارة القلعة ليست مجرد بناء، بل ذاكرة حيّة تحكي قصص شعوبٍ تعاقبت على هذه الأرض، من الحضارات القديمة حتى يومنا هذا. هذا المعلم، المُدرج ضمن قائمة اليونسكو، يُعد رمزًا لصمود الهوية الثقافية في وجه الزمن.
في الأسواق القديمة، وبالأخص سوق القيصرية، تنبض الحياة بشكل مختلف. أصوات الباعة، رائحة التوابل، والأقمشة الكردية المطرّزة، كلها عناصر تُجسد ملامح ثقافة لم تفقد بريقها. هناك، لا تزال الحِرف اليدوية تُمارس كما كانت قبل عقود، ويُورَّث الإبداع من جيلٍ إلى آخر، في مشهدٍ يُجسد استمرارية التراث.
ولا تقتصر الهوية الثقافية في أربيل على الأماكن، بل تمتد إلى الناس أنفسهم. فالعادات والتقاليد الكردية ما زالت حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، من المناسبات الاجتماعية إلى الأزياء التقليدية التي تظهر في الأعياد مثل نوروز، حيث تتحول المدينة إلى لوحةٍ من الألوان والفرح، تعبيرًا عن الانتماء والأصالة.
ورغم مظاهر الحداثة التي اجتاحت المدينة، من أبراج شاهقة ومراكز تسوق حديثة، إلا أن أربيل نجحت في خلق توازن فريد بين الماضي والحاضر. فالتطور لم يُلغِ الهوية، بل أعاد تقديمها بأسلوب معاصر يليق بمدينة تسعى للمستقبل دون أن تنسى جذورها.
لكن هذا التوازن لا يخلو من تحديات؛ فالعولمة والتغيرات السريعة قد تُهدد بعض ملامح التراث، خاصة لدى الأجيال الشابة. وهنا يبرز دور المؤسسات الثقافية والتعليمية في ترسيخ الهوية، من خلال دعم الفنون، وإحياء التراث، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ عليه.
في النهاية، تبقى أربيل مثالًا حيًا لمدينةٍ استطاعت أن تصون روحها رغم كل شيء. هويةٌ لا تُختصر في معلم أو مناسبة، بل تسكن في وجدان أهلها، وتنبض في شوارعها، لتؤكد أن التراث الحقيقي لا يندثر… بل يتجدد مع كل جيل
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85723
مقالات قد تهمك











