من البيضة إلى الكون.. رحلة الخلق بين الرمزية الكونية والمعنى الإنساني في Çarşema Sor

ناصر ناصرو

ليست كل الأعياد مجرد محطات زمنية تتكرر في دورة العام، بل إن بعضها يتجاوز وظيفته الاحتفالية ليغدو تعبيرًا مكثفًا عن رؤية كونية كاملة. في هذا السياق، يبرز عيد الأربعاء الأحمر (Çarşema Sor) في الموروث الإيزيدي بوصفه أكثر من مناسبة دينية؛ إنه سردية خلق متكاملة، تُعاد كتابتها سنويًا عبر الطقوس، وتُستعاد من خلالها أسئلة البداية الأولى، والوجود، والعلاقة بين الإنسان والعالم. إن التأمل في هذا العيد يكشف عن بنية رمزية معقدة، تتداخل فيها الأسطورة مع الفلسفة، والطقس مع المعنى، لتنتج تصورًا فريدًا عن الكون والحياة.

تحتل البيضة موقعًا مركزيًا في هذه السردية، بوصفها رمزًا أوليًا للخلق. فهي، في تمثلاتها الرمزية، تشير إلى حالة الانغلاق الكوني قبل التكوين؛ إلى عالم لم يتشكل بعد، مكتفٍ بذاته، لكنه يحمل في داخله إمكانات الانفجار بالحياة. إن كسر البيضة، كما يتجلى في الطقوس الإيزيدية، ليس مجرد فعل احتفالي، بل هو إعادة تمثيل رمزية للحظة الانبثاق الأولى، حين خرج الكون من كمونه إلى فعله. هنا، تتجاوز البيضة كونها عنصرًا ماديًا لتغدو استعارة فلسفية عن التحول، وعن الانتقال من الوحدة الساكنة إلى التعدد الحي.

ضمن هذا الأفق، يكتسب نزول طاووس ملاك دلالة محورية في تنظيم العالم. فالسردية الإيزيدية لا تكتفي بتصور خلق مادي للكون، بل تؤكد على ضرورة وجود مبدأ منظم، ينقل الوجود من الفوضى إلى النظام. إن حضور هذا الكيان الروحي في لحظة التأسيس يضفي على الخلق بُعدًا أخلاقيًا وروحيًا، حيث لا يُفهم الكون بوصفه مجرد تراكم مادي، بل باعتباره نظامًا ذا معنى، يخضع لتوازن دقيق بين القوى.

ولا يمكن فصل هذه الرؤية عن المكان الذي تتجسد فيه طقوس العيد، أي لالش، الذي لا يُختزل في كونه موقعًا جغرافيًا، بل يتخذ شكل مركز كوني رمزي. في هذا الفضاء، تتكثف الدلالات، ويغدو المكان مرآة للكون ذاته. إن إشعال القناديل، وتوزيعها بعدد أيام السنة، ليس مجرد طقس ديني، بل هو إعادة ترتيب رمزية للزمن، ومحاولة لإضفاء المعنى على دورته. في لالش، لا يُحتفى بالمقدس فحسب، بل يُعاد إنتاجه عبر الفعل الجماعي، ليصبح الحضور الإنساني جزءًا من البنية الكونية.

تكشف الطقوس المرتبطة بالأربعاء الأحمر عن بعد فلسفي عميق يتجاوز المألوف. فتلوين البيض، وتعليق الزهور، وإشعال النور، ليست أفعالًا عفوية أو تقليدية بحتة، بل تمثل أشكالًا من “التمثيل الرمزي” لفكرة الخلق. هنا، يتحول الإنسان من متلقٍ للسردية إلى مشارك في إعادة إنتاجها. إن الطقس، في هذا المعنى، ليس مجرد تكرار، بل هو فعل تأويلي، يُعيد من خلاله المجتمع صياغة علاقته بالكون، ويؤكد حضوره ضمن نظامه. وتتجلى أكثر الأفكار عمقًا في هذا العيد في النظرة إلى الطبيعة بوصفها كائنًا حيًا.

إن الامتناع عن العمل في الأرض خلال هذا اليوم لا يُفهم فقط كتحريم ديني، بل كإقرار بقدسية الطبيعة وحقها في “الراحة” أو “التجدد”. هذه الرؤية تعكس وعيًا بيئيًا مبكرًا، يُدرك أن العلاقة بين الإنسان والأرض ليست علاقة استغلال، بل علاقة توازن واحترام. وفي هذا، يمكن قراءة العيد بوصفه دعوة ضمنية لإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل العالم الطبيعي.

غير أن الأهمية الحقيقية للأربعاء الأحمر لا تكمن فقط في أبعاده الكونية، بل في قدرته على التحول إلى معنى إنساني معاصر. ففي عالم تتسارع فيه التحولات، وتتعرض فيه الهويات للتهديد، يصبح هذا العيد وسيلة لإعادة تأكيد الانتماء، ولإحياء الذاكرة الجماعية. إنه لا يكتفي بسرد قصة الخلق، بل يربطها بحاجات الإنسان الراهنة: الحاجة إلى الأمل، وإلى التجدد، وإلى الإحساس بالاستمرارية.

في المحصلة، يبدو Çarşema Sor أكثر من مجرد عيد؛ إنه تجربة وجودية، تتداخل فيها الرمزية مع الممارسة، لتنتج تأملًا حيًا في معنى الخلق. ومن خلال هذه الرحلة، من البيضة إلى الكون، لا يكتفي الإنسان بإحياء الماضي، بل يعيد اكتشاف ذاته، بوصفه جزءًا من هذا الكون، وشاهدًا على تحوله المستمر. هنا، يغدو الاحتفال فعلًا فلسفيًا، لا ينفصل عن السؤال الأعمق: ماذا يعني أن نكون جزءًا من هذا العالم؟

قد يبدو هذا السؤال، للوهلة الأولى، مفتوحًا على احتمالات لا نهائية، لكن قراءة العيد في سياقه الرمزي تتيح الاقتراب من إجابة ممكنة. أن نكون جزءًا من هذا العالم، وفق ما توحي به طقوس الأربعاء الأحمر، لا يعني مجرد الوجود الفيزيائي داخله، بل الانخراط في إيقاعه العميق؛ أي الاعتراف بأننا لسنا مركز الكون، بل أحد تجلياته. فالإنسان، في هذا المنظور، ليس سيد الطبيعة بقدر ما هو شريك فيها، يخضع لقوانينها كما يساهم في استمرارها.

إن إعادة تمثيل لحظة الخلق كل عام تذكّر بأن البداية ليست حدثًا منقطعًا في الماضي، بل عملية مستمرة، تتجدد عبر الفعل الإنساني نفسه. فحين يلوّن الإنسان البيضة، أو يشعل النور، أو يعلّق الزهور، فإنه لا يستعيد قصة قديمة فحسب، بل يعيد إدخال ذاته في دائرة الخلق، بوصفه كائنًا قادرًا على إضفاء المعنى على وجوده. بهذا المعنى، يصبح العيد فعل وعي، لا مجرد طقس.

وعليه، يمكن القول: إن معنى أن نكون جزءًا من هذا العالم يتجلى في ثلاث مستويات مترابطة: أولها، الوعي بالانتماء إلى نظام كوني أوسع؛ وثانيها، تحمل مسؤولية هذا الانتماء عبر احترام توازن الطبيعة؛ وثالثها، القدرة على تحويل التجربة الفردية إلى معنى جماعي، يُحفظ ويُورّث عبر الأجيال. هنا، لا يعود الإنسان كائنًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة ممتدة، تبدأ من لحظة الخلق ولا تنتهي.

بهذا الفهم، لا يغدو الاحتفال بالأربعاء الأحمر مجرد استذكار للماضي، بل ممارسة حية لفلسفة وجودية ترى في الإنسان كائنًا مشاركًا في الخلق، لا متفرجًا عليه. وربما في هذا تحديدًا تكمن قوة هذا العيد: في قدرته على تحويل السؤال الوجودي من تأمل نظري مجرد إلى تجربة معاشة، يجد فيها الإنسان، ولو مؤقتًا، موقعه ضمن هذا الكون المتغير.

المصدر: صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top