د. سوزان ئاميدي
نشأت الصحافة الكردية في بداياتها خارج أرضها، لكنها كانت مستقلة في توجهها، معبّرة بوضوح عن معاناة شعبها، رغم ما واجهته من إقصاء ورقابة شديدة، فقد صدرت أول صحيفة كردية في القاهرة على يد عائلة بدرخان الكردية، التي اضطرت إلى الهجرة من أراضيها، لتكون بذلك “صحافة منفى” فُرضت عليها الظروف، لا خياراً طوعياً.
وفي هذا السياق، صدر العدد الأول من جريدة ‘كردستان’ يوم الخميس الموافق 22 نيسان/ابريل 1898 في مدينة القاهرة، على يد مقداد مدحت بدرخان. وكانت صحيفة نصف شهرية تُطبع في دار الهلال المصرية، وتُهرّب أعداد منها سراً إلى المناطق الكردية عبر سوريا.
ورغم أن هذه الصحافة وُلدت في المنفى، فإنها حافظت على صلة وثيقة بالمواطن الكردي، حيث كانت تُتداول بشكل سري بين أبناء الشعب، معبّرة عن معاناتهم، ومطالبة بحقوقهم الإنسانية والقومية المشروعة.
وبعد الحرب العالمية الأولى، شهدت المنطقة تحولات سياسية كبرى لم تكن في مجملها منصفة لتطلعات الشعب الكردي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مسار قضيته، وعلى طبيعة تطور صحافته. وفي عهد الشيخ محمود الحفيد، شهدت الصحافة الكردية تطوراً ملحوظاً من حيث العدد والنوع والانتشار، فقد أصدرت بريطانيا أول جريدة كردية باسم “تيگه يشتني راستي” عام 1918، تلتها في السليمانية جريدة “پيشكه وتن” عام 1919، ثم “بانگ كردستان” عام 1922، و”روژ كردستان” في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، و”بانگ حق” في آذار 1923، و”ئوميد استقلال” في سبتمبر/أيلول 1923. وقد تنوعت هذه الصحف بين الرسمية والأهلية، وتناولت قضايا سياسية واجتماعية وثقافية، واستمر صدورها حتى ما بعد انتهاء عهد الشيخ محمود الحفيد، وصولاً إلى يومنا هذا.
ويُعد المجتمع الكردستاني من المجتمعات الواعية، الساعية إلى كشف الحقائق، لا سيما في المجال السياسي، من خلال متابعة مختلف وسائل الإعلام، فقد عاش الكرد عن قرب مجمل التحولات السياسية، وتعايشت أجيالهم مع مراحل متعددة من تطور الإقليم سياسياً، الأمر الذي جعل من الطبيعي أن تضم العائلة الواحدة أفراداً عاصروا معظم الحركات الكردية. واستمر هذا التراكم المعرفي مع الأجيال الجديدة؛ مما خلق تقارباً واضحاً بين الجماهير والسياسة في الإقليم، حيث شكّل الإعلام امتداداً لهذا الوعي، خاصة مع تطور وسائل نقل المعلومات وتعدد مصادرها.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن المجتمع الكردستاني يتبنى رأياً واحداً، بل هو مجتمع متعدد الآراء والاتجاهات؛ إذ تختلف وجهات النظر بين الأفراد والمجموعات، لكنها تتقاطع عبر النقاش والحوار، ومن خلال الاطلاع على مصادر متنوعة، لتتبلور في النهاية مواقف أكثر نضجاً، تمثل حصيلة تفاعل جماعي بين مختلف الآراء.
كما أن الرأي العام الكردستاني ليس ثابتاً، بل يتغير تبعاً للأحداث والمعطيات، وهو ما ظهر جلياً في مواقف الأحزاب الكردية المختلفة في تعاملها مع الحكومات العراقية المتعاقبة. وبذلك، فإن المصالح القومية غالباً ما تكون المحرك الأساسي لاختلاف هذه المواقف، أكثر من العادات أو المعتقدات أو الثقافة.
وبذلك، لم تكن الصحافة الكردية مجرد وسيلة إعلام، بل ظلت عبر تاريخها أداة للحفاظ على الهوية والدفاع عن الحقوق، في مواجهة تحولات سياسية لم تكن دائماً منصفة للشعب الكردي.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86489
مقالات قد تهمك











