إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى – الحلقة الخامسة

د. محمود عباس

هل أخطأت الحركات القومية قراءة القرن الحادي والعشرين؟

مشكلة الحركات القومية اليوم ليست في عدالة مطالبها، بل في الطريقة التي تقرأ بها العالم. فالقومية، بالنسبة إلى الشعب الكوردي، ليست ترفًا فكريًا ولا حنينًا إلى الماضي، بل شرط من شروط البقاء في وجه الإنكار والاقتلاع. لكن التمسك بجوهر القضية شيء، والجمود في أدواتها شيء آخر. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة ليس، هل أخطأت القومية في أصلها؟ بل، هل أخطأت الحركات القومية، ومنها الحركة الكوردستانية، في قراءة القرن الحادي والعشرين؟

هذا السؤال لا يستهدف نزع الشرعية عن المشروع القومي الكوردي، ولا يفتح الباب أمام الدعوات التي تريد إذابة القضية القومية داخل صيغ فوق قومية أو مفاهيم فضفاضة لا تعترف أصلًا بواقع الشرق الأوسط كما هو. فالشعب الكوردي ما يزال يعيش في فضاء سياسي تهيمن عليه أنظمة تنكر وجوده القومي، وترفض حقوقه، وتتعامل معه بوصفه مشكلة أمنية أو عبئًا تاريخيًا. ولهذا، فإن التمسك بالبعد القومي ليس خيارًا يمكن التخلي عنه، بل أساس لا غنى عنه لأي مشروع كوردي حقيقي. لكن التمسك بالأساس القومي لا يعني أن تبقى الحركة الكوردستانية أسيرة الصيغ الذهنية والتنظيمية التي تشكلت في زمن مختلف.

فالعالم لم يعد يتحرك وفق المنطق الذي أنتج الحركات القومية الكلاسيكية. الاقتصاد لم يعد وطنيًا بالمعنى المغلق، والسيادة لم تعد تمارس بالصورة القديمة، والدولة نفسها لم تعد تحتكر وحدها أدوات التأثير. لقد دخلنا زمنًا تتشابك فيه الأسواق، والتكنولوجيا، والاتصال العالمي، والإعلام، والبيانات، والدبلوماسية الناعمة، بصورة لم يعد معها ممكنًا أن تُدار القضايا الكبرى بالأدوات ذاتها التي حكمت القرن الماضي.

ومن هنا، فإن الخطأ لا يكمن في أن تكون الحركة الكوردستانية قومية، بل في أن تتصور أحيانًا أن العالم ما يزال يستجيب للخطاب ذاته، وللتنظيم ذاته، وللرموز ذاتها، وللأشكال السياسية ذاتها التي كانت فاعلة في مراحل سابقة. فما كان مناسبًا في لحظة تاريخية سابقة، لم يعد كافيًا اليوم، لا لأن القضية فقدت مشروعيتها، بل لأن بنية العالم التي تتحرك داخلها تبدلت.

وفي الحالة الكوردستانية، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا، لأن الكورد لا يواجهون فقط عالمًا متغيرًا، بل يواجهون أيضًا تجارب سياسية قائمة تحتاج هي ذاتها إلى مراجعة. ففي جنوب كوردستان، نشأت خلال العقود الأخيرة تجربة سياسية متقدمة نسبيًا مقارنة ببقية أجزاء كوردستان، وتمكنت من بناء كيان فيدرالي له حضور سياسي ودبلوماسي واقتصادي وعمراني واضح. وقد أثبتت هذه التجربة أن الشعب الكوردي قادر، حين تتوفر له فرصة سياسية وإدارة أكثر استقرارًا، على بناء نموذج يتقدم على كثير من محيطه. لكنها كشفت في الوقت ذاته أن النجاح الإداري والعمراني والعلاقات الدولية الواسعة لا تكفي وحدها ما لم تُترجم إلى مشروع قومي أكثر عمقًا واستقلالًا وقدرة على تحويل هذا التقدم إلى مركز ثقل كوردستاني أوسع.

وفي غربي كوردستان، ظهرت تجربة مختلفة تمامًا، وُلدت من رحم الحرب والانهيار السوري، واستندت بداية إلى عامل الحماية العسكرية والفراغ السياسي، ثم دخلت لاحقًا في تناقضات أكثر تعقيدًا. فقد وفرت هذه التجربة قدرًا من الأمن والاستقرار النسبي في ظروف قاسية، لكنها لم تنجح، لأسباب داخلية وخارجية معًا، في تحويل ذلك إلى مشروع قومي متماسك يخدم القضية الكوردية في مداها الأوسع. وقد كان لعداء القوى الإقليمية، وتقلب المواقف الدولية، دور كبير في إضعافها، لكن ذلك لا يُلغي أن المنهجية التي حكمتها، بما فيها تراجع التركيز على البعد القومي الكوردي، وضعف البناء الخدمي والتنموي، جعلتها أكثر هشاشة أمام تغير موازين القوى. ومع التحولات الأخيرة في سوريا، وتراجع كثير من مكتسباتها، أصبحت الحركة الكوردية هناك في موقع الدفاع للحفاظ على بعض ما تحقق، لا في موقع توسيع التجربة كما كان سابقًا.

وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية، ليست المشكلة في أن الكورد تمسكوا بقضيتهم القومية، بل في أن بعض حركاتهم لم تُحسن قراءة الزمن الجديد من داخل هذه القضية. ففي جنوب كوردستان، كان التحدي هو كيف يتحول النجاح الإداري والسياسي إلى مشروع قومي استراتيجي أبعد من حدود الفيدرالية والإدارة اليومية. وفي غربي كوردستان، كان التحدي هو كيف لا تتحول التجربة إلى إدارة أمر واقع فاقدة للعمق القومي والقدرة على الاستمرار حين تتغير الظروف. وفي الحالتين، يظهر أن الإشكال لا يعود إلى “القومية” بل إلى شكل ممارستها، وإلى الأدوات التي استُخدمت باسمها أو من دون وضوح كافٍ في خدمتها.

فالحركات القومية التي تنجح في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تنفصل عن هويتها، ولا تلك التي تذيب قضيتها في شعارات فضفاضة، بل تلك التي تحافظ على جوهرها، وتعيد صياغة أدواتها. لم يعد يكفي أن نقول إننا شعب مضطهد، بل يجب أن نظهر أيضًا أننا نملك رؤية سياسية ومؤسساتية واقتصادية وثقافية تجعل من المشروع الكوردي اقتراحًا جادًا للمستقبل، لا مجرد احتجاج على الماضي.

ولهذا، فإن القراءة الجديدة للقرن الحادي والعشرين لا تعني تجاوز القومية الكوردية، بل إنقاذها من الجمود. لا تعني التخفف من كوردستان، بل منع كوردستان من أن تبقى مجرد حلم عاطفي منفصل عن شروط العصر. لا تعني إنكار التاريخ، بل منع التاريخ من التحول إلى قيد يمنع إنتاج المستقبل.

وبالنسبة للشعب الكوردي، فإن هذه اللحظة قد تكون لحظة مراجعة ضرورية أكثر منها لحظة خوف. فالكورد يملكون رصيدًا نضاليًا عظيمًا، وتجارب سياسية متباينة، وانتشارًا واسعًا، وطاقات بشرية وثقافية متزايدة، وما ينقصهم ليس عدالة القضية، بل تجديد شكلها السياسي والتاريخي من دون المساس بجوهرها. فالمطلوب ليس الخروج من القومية، بل الخروج من قراءتها الجامدة. وليس التخلي عن الهدف، بل البحث عن الطريق الأقدر على خدمته في عالم مختلف.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحركات القومية قد انتهت، بل ما إذا كانت قادرة على تجديد نفسها من دون أن تفقد روحها. وبالنسبة للحركة الكوردستانية تحديدًا، فإن نجاحها في المستقبل لن يتحدد فقط بصلابة تمسكها بقضيتها، بل بقدرتها على أن تفهم هذا العصر من داخله، وأن تعيد بناء مشروعها القومي على أسس أكثر ذكاء ومرونة وواقعية.

يتبع…

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top