م. أحمد زيبار
لا شكّ أن المؤسسات والتنظيمات بطبيعتها أعمال جماعية، وأنّ قدرة الفرد – مهما بلغت – لا تستطيع تجاوز قوة الجماعة أو التقدّم عليها. هذه قاعدة عامة يكاد يجمع عليها الكثير من المهتمين بعلم الإدارة والتنظيم. غير أنّ الصورة تبدو مختلفة إلى حدّ كبير في المجتمعات الشرقية، حيث لا تعمل الأحزاب والمؤسسات وفق ما تقدّمه الكتب أو ما يُكتب بالأقلام، وإنما تتعرض لقدر من التشوّه تحت تأثير البنية الاجتماعية والعلاقات التقليدية السائدة في شرقنا المتوسط.
ومن خلال هذا الواقع الذي نعيش فيه، يبدو واضحاً أنّ القائد أو الزعيم يحظى بدور بالغ التأثير في الاتجاهين – الإيجابي والسلبي. فحضور الفرد في هذه البيئة التنظيمية والسياسية لا يكون حضوراً عادياً، بل يتحوّل في كثير من الأحيان إلى عنصر حاسم يوجّه المؤسسة بأكملها، ويصنع صورتها، وربما يختزلها في شخصه.
عندما يمتلك الشخص الأول في المؤسسة القدرات الحقيقية التي تؤهله لتولّي موقع القيادة، من قدرات علمية ومكانة اجتماعية مرموقة، وحينما يضاف إلى ذلك بُعد أخلاقي يقوم على الإخلاص والالتزام، فإنه لا يرى نفسه قد كَبُر بالمنصب، بل يرى أن المنصب هو الذي اكتسب قيمة إضافية بوجوده. وجود قادة كهؤلاء في الموقع الإداري الأول ينعكس إيجاباً على المؤسسة، ويدفعها إلى الأمام، ويمنحها ثقة وقبولاً أكبر لدى الجماهير، بغضّ النظر عن إمكانية تحقيق جميع الأهداف أو عدمها.
أما في الحالة المقابلة، حينما يصل الشخص الأول إلى القيادة بلا مؤهلات علمية أو اجتماعية حقيقية، ويصل بالصدفة أو عبر التكتلات والانقلابات الداخلية، فإن ذلك يترك أثراً سلبياً عميقاً على المؤسسة. فغياب شرعية الكفاءة يضعف فاعلية التنظيم ويشوّه صورته ويُفقده القدرة في الحفاظ على جمهوره.
وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بنموذجين واضحين يبرزان أثر القائد المؤهّل على نجاح التنظيم:
الأول هو السياسي الكردي جلال الطالباني رحمه الله، الذي شكّل وجوده على رأس الاتحاد الوطني الكردستاني في العراق عاملاً قوياً وديناميكياً للحزب. فقد كان الحزب في عهده منافساً سياسياً مهماً في إقليم كردستان، كما اكتسب مكانة اعتبارية على مستوى الدولة العراقية، تجلّت عندما مثّل الطالباني حزبه في رئاسة الجمهورية. كان تأثيره الشخصي عاملاً رئيسياً في رفع مكانة الحزب وتعزيز دوره.
الثاني هو السياسي الكردي إسماعيل عمر رحمه الله، رئيس حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا – يكيتي، الذي لعب دوراً محورياً في جعل الحزب صاحب حضور جماهيري واسع بين أبناء الشعب الكردي في سوريا، ومكانة محترمة في دمشق بين القوى السياسية المعارضة، خاصة أثناء مشاركته في إعلان دمشق. وقد أسهمت شخصيته المتوازنة ومكانته الأخلاقية في ترسيخ موقع الحزب ورفع رصيده.
وبصفتي شخصاً مؤمناً بالعمل الجماعي، أرى أن نجاح أي مؤسسة يقوم على تفاعل عناصرها، وأن الإداري الناجح يلعب دوراً أساسياً في خلق بيئة تشجع كل فرد من الطاقم على تقديم أفضل ما لديه، وربما أكثر من قدراته المعتادة. بينما القائد الفاشل يمكن أن يدفع الفريق إلى التراجع والكسل، بل وربما إلى كره العمل نفسه، وهو ما يؤدي حتماً إلى فشل التنظيم وابتعاد الجماهير عنه.
ختاماً يمكننا القول:
إن تتبّع أثر الفرد القائد في المؤسسات والتنظيمات في شرقنا يكشف أن البنية الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات ما تزال تمنح دوراً مركزياً للشخصية الفردية، بحيث يمكن لها أن ترفع المؤسسة أو تهدمها. وفي ظل ضعف المؤسسية وغياب آليات التقييم والمساءلة، يصبح القائد – بصفاته العلمية والاجتماعية والأخلاقية – محور الحركة التنظيمية ومحرّكها الأساسي.
فالنجاح هنا ليس مجرد نتيجة لتخطيط جماعي أو تراكم خبرات، بل يرتبط إلى حدّ بعيد بمدى امتلاك الشخص الأول لمؤهلات القيادة المتوازنة. إذ يخلق القائد الكفوء حالة من الانسجام والثقة والفاعلية، بينما تنتج القيادة الضعيفة سلسلة من الإرباكات والانقسامات التي تضعف المؤسسة وتُفقدها جمهورها.
وبما أن تغييرات المجتمع على المدى المنظور تعدّ أمراً صعباً ومعقداً، فإن ذلك يجعل من الضروري العمل على اختيار الشخص المناسب لهذا الموقع القيادي، لما له من أثر مباشر على تماسك المؤسسة وفاعليتها. فالطريق نحو تنظيمات أكثر صلابة ونجاحاً يمرّ عبر إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والقدرة والنزاهة، وتقليل الاعتماد على المزاج الفردي لصالح بنية مؤسساتية تحمي التنظيم وتضمن استمراريته.
فالتوازن بين دور الفرد وقوة المؤسسة يبقى الشرط الأساسي لبناء عمل جماعي مستدام، قادر على الصمود أمام التحديات وتقديم الممكن في أصعب الظروف.
ألمانيا- بريمن
01.04.2026
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86641
مقالات قد تهمك











