الفنان رشيد الصوفي الخارج عن المألوف

«الكاتب محمد أمين مسلم في الوسط، على العود رشيد صوفي، وعلى الكمان محمد خليل غازي»

محمد أمين مسلم

مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.

نشأته وبيئته وصفاته الفطرية

من مواليد مدينة كوباني عام 1953. والده مسلم الصوفي وأمه أمينة. هو الأخ الأكبر من أمه، وله خمسة إخوة أكبر منه من أمه الثانية.

ينحدر والده من قرية قپلان الواقعة في شمال كردستان. والذي قدم إلى جنوب كردستان قبل رسم الحدود التركية السورية، وعمل مفتياً لمدينة كوباني بعد أن أصبحت منطقة إدارية.

نشأ رشيد في كنف عائلة دينية ودرس الابتدائية والإعدادية في كوباني. ورث رشيد حدة الذكاء من والده الذي أصبح من علماء الدين دون أن يدخل المدرسة. برزت موهبته الفنية منذ طفولته أي في حوالي التاسعة من عمره. كان يركز السمع على الأغاني العربية من خلال جهاز الراديو وكذلك الأغاني الكردية التي كانت تبث من إذاعة يريفان وبغداد. اتصف رشيد بقدرة كبيرة على الحفظ وامتلك إمكانية صوتية عالية. فانبهر أستاذه بصوته وأدائه المدهش وهو في الصف الخامس. أستاذه المسمى محمد قدري دلال، الذي كان ملحناً وعازفاً، فيما بعد للفنان الحلبي صباح فخري.

في ستينيات القرن المنصرم لم تتوفر في كوباني آلات العزف ولا عازفون سوى محمد خليل غازي عازف الكمان. وهو صوراني من مدينة السليمانية. وكانت في تلك البيئة الأمية والعشائرية ممارسة العزف والغناء منبوذاً، لا يمارسهما إلا الطبالة (كونده).

كانت ممارسته لموهبته كأنّه يحرث في الصخر، حيث كل جديد يصطدم بجدار الممنوعات والمقدسات الدارجة. أمسك رشيد لأول مرة آلة العود. في عمر الصبا، كان عند شخص اسمه عسعس. وهو موظف في دائرة بريد كوباني، وهو حلبي. قال عسعس: عندما أمسك رشيد آلة العود وبدأ العزف. أي أنه لم يتدرب. ما يدل على عشقه وقدراته الفائقة في الالتقاط والتنفيذ.

العوامل المساعدة لتنمية أدواته الذهنية وتثقيلها

– الأجواء العائلية الدينية، حيث سماع تلاوة القرآن وصوت الآذان المتكرر، لاسيما شقيقه الأكبر محمود الصوفي كان قارئاً ومؤذناً مؤثراً جداً، وكذلك الأناشيد والأمداح في المولد النبوي وغيرها.

-إتقانه اللغة العربية والكردية، ومعرفته إلى حد ما اللغة التركية والأرمنية.

-زيارته المبكرة لجمهورية مصر، ولقائه هناك بعمالقة الفن المصري، مثل محمد عبد الوهاب وغير. إقامته مدة طويلة في دمشق وحلب ومحافظات سورية أخرى مثل حمص واللاذقية واحتكاكه بأساطين الفن السوري مثل صباح فخري، وغيره من الملحنين والممثلين والمهتمين بالشأن الفني.

-قراءاته العميقة للكلاسيك الشعري الصوفي الكردي والعربي، مثل ملاي جزيري وجكر خوين وابن الفارض والحلاج.

هذه العوامل كوّنت لدى رشيد قدرات على الإبداع. حيث النطق السليم في مداخل ومخارج الكلمات والحروف، واتقان العزف باحترافية عالية. والمعرفة الدقيقة والجزئية بالمقامات وأصل التأليف الموسيقي والاختيار المناسب للكلمات والألحان والمقامات التي تريح أذن المتلقي حين السماع لأغانيه.

إضافة إلى قدراته الفائقة على المزج بين المقامات المختلفة من جهة ومشتقات وفروع المقامات من جهة ثانية، مكنته من الانتقال بسلاسة ويسر بينها. فيجعل المستمع في دهشة ومتعة من مقدمة الأغنية إلى آخرها.

كما أنه بين اللون العربي والكردي والفارسي في الألحان. فأنتج شكلاً جديداً، يستسيغه الجميع. بذلك أخرج الأغنية الكردية من صيغته المألوفة والدارجة وأعطاها لوناً ورونقاً أكثر جمالاً ورونقاً وتناسب العصر.

أعماله ومميزاتها

قياساً بطول عمره الفني وعلو مستواه في التأليف الموسيقي وإمكاناته الصوتية في الأداءK إلا أن أعماله قليلة عددياً مقارنة بأقرانه. ذلك لقناعته الانتقائية، أي النوع على حساب الكم. فقد كان ينتقي القصائد الأكثر قوة في الدلالات والمعاني وأكثر جمالية في التراكيب والإشارات والرموز. ثم يمنحها وقتاً طويلاً لتلحينها بأفضل المقامات، انسجاماً وتناسقاً للأداء الغنائي، بحيث تكون الأغنية عصية على تقليدها. كما قال عنه الشاعر صالح كوباني: رشيد الصوفي عصي على النمذجة، بخلاف المألوف والدارج، بدأ رشيد بالأثقل مثل أغنية:

نوروز روچك چ روچانه Newroz Rojek ji Rojane.

وأغنية: مه ي نه نو شه Maî ne no şê

وانتهى بأثقل وأصعب وهي أغنية واره شيران خوش كوباني Warê şêran xweş Kobamî

وما بينهما الكثير من الأغاني بمستوايات مختلفة مثل: أغنية جافه يارا من Çavê yara min

وأغنية جاڤ بر شڤان Çav pir şevav

وأغنية: چومه بر چم Çume ber Çem

وأغنية: خوزيا هيفي پك با تا نا Wezya Hêbî pêk batana

أغنية: أز ميفانه دله ته مه   Ez mîvanê Dil ê te me

أغنية: تو سوسني Tu sosnî.

وغيرها من الأغاني التي أصبحت لدى أهالي كوباني نمنمات شعبية تغنى في كافة السهرات العامة والنخب.

الجدير ذكره أن الكثير من أغانيه من كلمات شعراء محليين أي كوبانيين مثل: صالح كوباني وصهره مصفى مسلم واستير چلو. كما لحن رشيد وغنى بالعربية، فأبهر الوسط الفني السوري بأعلى مستوياته. نذكر منها: أغنية ليلة اختيارات العشق من كلمات الأديب والقاص السوري وليد معماري. الذي قيم رشيد على أنه ثروة فنية سورية لا تقدر بثمن. وأغنية: زدني بفرط الحب تحيرا، للشاعر الصوفي ابن الفارض.

أثرة الفني

الأثر الأبرز له، أنه شكل مفصلاً حداثياً في الأغنية الكردية وخاصة غربي كردستان، حيث تجاوز الأغنية النمطية الارتجالية الملحمية إلى أغنية متعددة المقامات، واتباع الأصول الموسيقية السليمة والتي بدورها تؤسّس لبنية قابلة للإبداع. وحيث أنه كان يملك مفاتيح وطلاسم المقامات الموسيقية، اعتبره الكثير من الفنانين العرب والكرد بأنه ملك المقامات.

بعد وفات والد رشيد تحوّل منزله إلى ما يشبه معهدٍ للموسيقى والفن، وقبلة لكثير من المهتمين وعشاق الفن. فبرزت مجموعة لا باس بها من الفنانين المميزين الذين كانوا زوارا دائمين لرشيد. نذكر منهم من الجيل الأول: مجو كندش وخالد صوفي وأحمد جب وباران كندش وغيرهم.

والجيل الثاني: طيار علي ومصطفى شيخو وشاد وينال طاهر وسعدون وعاشق شاهين وغيرهم.

واليوم بات كل من يرغب أن يسلك دروب الفن والعزف من أبناء كوباني، عليه ان يتوقف عند رشيد. أصبح رشيد مرجعاً أساسيا لهم في الأصول والفروع، وهو بهذا الإرث الكبير قد أضاف قيمة إضافية للفن الكردي.

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top