دجوار أحمد آغا
لمع اسم عرب شمو؛ الأديب الكردي، في مجال الرواية الكردية الحديثة، فمن النضال السياسي والفكري، إلى المعرفي والثقافي تاركاً وراءه إرثاً كبيراً في مجال الأدب والرواية.
الشعب الكردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط، وقد أسهم عبر قرون طويلة في بناء الحضارة الإنسانية في مجالات الفكر والسياسة والأدب والعلم والفلسفة. عاش الكرد على امتداد جغرافيا واسعة عُرفت تاريخياً باسم كردستان، وشكّلوا جسراً حضارياً بين بلاد الرافدين والأناضول وإيران والشام. ورغم ما تعرّض له الكرد من انقسامات سياسية ومحاولات طمس الهوية واللغة، فإنهم حافظوا على إرث ثقافي غني، وأنجبوا شخصيات بارزة تركت أثراً عميقاً في التاريخ الإنساني. فمن القادة العظام يبرز اسم صلاح الدين الأيوبي الذي ارتبط اسمه بتحرير القدس وروح التسامح والفروسية، كما برز علماء وأدباء ومفكرون كبار أسهموا في إثراء الثقافة الإسلامية والإنسانية منهم على سبيل الذكر (العالم أبو حنيفة الدينوري، ابن خلكان، ابن الاثير، أحمدي خاني، ملاي جزري، أبو الفداء الحموي، وغيرهم). وفي الأدب الكردي تحديداً، شكّل الشعر والأدب الشعبي عبر قرون طويلة الوعاء الأساسي للهوية الكردية، حتى ظهرت الرواية الكردية الحديثة في القرن العشرين، وكان رائدها الأبرز الأديب الكردي الكبير عرب شمو الذي يُعدّه كثيرون الأب الروحي للرواية الكردية الحديثة.
نشأته وبدايات حياته
وُلد عرب شمو، “عرب شمس الدين شامل”، عام 1897 في قرية سوسوز التابعة لمنطقة قارس في باكور كردستان، في أسرة كردية إيزيدية محافظة. عاش طفولة قاسية اتسمت بالفقر والمعاناة، واضطر منذ سنواته الأولى إلى العمل راعياً للماشية، وهي التجربة التي تركت أثراً عميقاً في وجدانه الأدبي، وظهرت لاحقاً في أشهر أعماله الروائية “الراعي الكردي”. وبالرغم من الظروف الصعبة، أظهر شغفاً كبيراً بالتعلم واللغات، فأتقن إلى جانب لغته الكردية الروسية والتركية والأرمنية والجورجية وبعض اللغات الأخرى، الأمر الذي ساعده لاحقاً في الانفتاح على التيارات الفكرية والأدبية الحديثة. نتيجة الممارسات القمعية للسلطات العثمانية اضطر للهجرة إلى أرمينيا، وهناك التقى إسحاق مارغالوف، وعملا في إعداد أبجدية كردية، وفي عام 1928، أنهيا إعداد الحروف اللاتينية، وفي عام 1928، ألّفا أول كتاب لتعلم اللغة الكردية، باسم “تعلّم اللغة الكردية بنفسك”.
نضاله السياسي والفكري
تزامنت حياة عرب شمو مع مرحلة مليئة بالتحولات السياسية الكبرى، ومنها الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) والثورة البلشفية 1917 وسقوط الدولة العثمانية 1923. وخلال تلك الفترة انخرط في النشاط السياسي، حيث انضم إلى الحزب البلشفي عام 1918 م، والتحق بمعهد لازاريف للغات الشرقية في موسكو، وتخرج منه بتفوق عام 1924، وعاد إلى أرمينيا ليصبح محرك النشاط المتعدد الجوانب بين الكرد، وأنيطت به مسؤولية متابعة الشؤون الكردية لدى اللجنة المركزية للحزب البلشفي الأرمني. أسهم في إنشاء المدارس الكردية، وتم اختياره أول رئيس تحرير لجريدة (ريا تازة، أي الطريق الجديد) التي بدأت بالصدور من يريفان عام 1930م، وبقي رئيساً لها حتى 1937م. وبعد فترة وجيزة تم إنشاء أول معهد كردي لإعداد المعلمين في أرمينيا، فاختير أول عميد له، حيث تخرج منه مئات المعلمين الكرد من المناطق الكردية فيما وراء القفقاس. خلال العام 1933 التحق عرب شمو بمعهد الاستشراق في لينينغراد (بطرسبورغ) لنيل شهادة الدكتوراه في قواعد اللغة الكردية.
عرب شمو وبداية الرواية الكردية
عرب شمو المؤسس الحقيقي للرواية الكردية الحديثة، إذ كتب روايته الشهيرة Şivanê Kurd أي “الراعي الكردي” التي تم طباعتها عام 1930 في يريفان على يد إسحاق مارغالوف، وهي تُعد أول رواية مكتوبة باللغة الكردية الحديثة. تحكي الرواية حياة الفقراء والرعاة ومعاناة المجتمع الكردي في ظل الاضطهاد والحرمان، واعتمدت لغة بسيطة قريبة من الناس، ما جعلها حدثاً أدبياً مهماً في تاريخ الأدب الكردي. وقد تميزت أعماله بالواقعية الاجتماعية، إذ استلهم كثيراً من تفاصيل حياته الشخصية وتجارب الشعب الكردي اليومية، لذلك جاءت رواياته حاملةً هموم الإنسان الكردي البسيط وآماله وآلامه. جدير بالذكر أن رواية الراعي الكردي أعيد طباعتها عام 1931 مترجمة إلى اللغة الروسية في موسكو، ثم طبعت مرة ثالثة باللغة الكردية في جورجيا سنة 1935، كما تُرجمت فيما بعد إلى الفرنسية على يد باسيلي نيكتين.
أعماله الأدبية
إلى جانب روايته الشهيرة “الراعي الكردي” Şivanê Kurd، ترك عرب شمو عدداً من الروايات والقصص والمؤلفات التي شكّلت حجر الأساس للأدب الكردي الحديث. كما نشر مسرحية (الراهب المزيف) فكانت أول مسرحية في تاريخ الأدب الكردي، وفى عام 1936 نشر روايته الثانية “كرد آلاغوز” Kurdên Elegez، ونجده فيها قد نضج فكراً وتطور فنّي رفيع المستوى، واكتملت أدواته التعبيرية ليصل إلى المستوى الفني والجمالي لأفضل الروائيين الروس. أما روايته الثالثة “الفجر” Berbang فقد نشرت بعد عودته من المنفى، ويبدو أنه كتبها في سنوات النفي والاعتقال في سيبيريا. توالت بعدها أعماله الروائية فكانت رواية “الحياة السعيدة” Jiyana Bextewar، التي نُشرت عام 1959، ثم جاءت “قلعة دمدم” المستوحاة من الملحمة الكردية الشهيرة وبطلها الخان الكردي ذو الكف الذهبية Xanê Lep Zêrîn عام 1965، بالإضافة إلى مجموعات من الحكايات والفلكلور الشعبي الكردي. تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عدة، ووصل تأثيره إلى خارج الوسط الكردي، حتى إن بعض رواياته تحولت إلى أعمال أوبرالية في أوروبا.
سنوات النفي والمعاناة
سنة 1937 كان شمو في أوج نشاطه العلمي والثقافي ويستعد للدفاع عن رسالته لنيل شهادة الدكتوراه في اللغة الكردية حين تم اعتقاله ونفيه إلى سيبيريا، حيث أمضى سنوات المنفى في أصقاع سيبيريا الموحشة القاسية يعاني الظلم والاضطهاد جراء الحكم الاستبدادي لجوزيف ستالين، الذي قام بتهجير قسري لعشرات الآلاف من الكرد من مناطق سكناهم الأصلية إلى مناطق آسيا الوسطى “كازاخستان، قرغيزيا، أوزبكستان، وغيرها”. بالإضافة إلى حالة الإقصاء السياسي والتهميش الثقافي الذي تعرض له شمو مع الكثيرين من الأدباء والمثقفين الكرد في العهد الستاليني أمثال حاجي جندي، جليلي جليل وغيرهم. لكن رغم النفي والمعاناة، لم يتوقف عرب شمو عن النشاط الثقافي حيث واصل الكتابة والنشر بالكردية. بعد وفاة ستالين سنة 1956؛ سُمح لعرب شمو العودة إلى مسقط رأسه حيث تابع نشاطه وكتاباته دفاعاً عن لغته الأم حتى آخر سنوات حياته.
وفاته وإرثه الثقافي
الحادي والعشرون من أيار عام 1978، رحل عرب شمو في العاصمة الأرمينية يريفان، عن عمر ناهز 81 عاماً قضى معظمها في خدمة اللغة والأدب الكردي، تاركاً خلفه إرث أدبي وثقافي كبير للأجيال الكردية اللاحقة. يُعتبر اليوم، أحد أهم أعمدة الأدب الكردي الحديث، ورمز للنضال الثقافي واللغوي. فتح الباب أمام تطور الرواية الكردية، وأثبت أن اللغة الكردية قادرة على إنتاج أدب روائي حديث يحمل قضايا الإنسان وهمومه ويعبّر عن هوية شعب كامل. لقد كان عرب شمو أكثر من مجرد روائي؛ كان مشروع ثقافي نهضوي متكامل، كرّس حياته للدفاع عن اللغة الكردية وحفظ الذاكرة الشعبية الكردية. ولذلك؛ بقي اسمه حاضراً في وجدان الشعب الكردي عموماً، والمثقفين الكرد خصوصاً بوصفه الأب الروحي للرواية الكردية الحديثة.
صحيفة روناهي
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=88442
مقالات قد تهمك










