كسرى إيبو
في الوجدان الجمعي الكردي، لم تكن القيادة يوماً مجرد منصب سياسي، بل كانت موثقة بالدم، ومسيجة بالكرامة، ومقاسة بمواقف الرجال على أعواد المشانق. لذلك، عندما نُفكك اليوم سبب ابتعاد النخب والشريحة القومية الواسعة من الكرد عن عبد الله أوجلان (آبو) وحزبه، بل والوصول إلى معاداته، فنحن لا نتحدث عن خلاف سياسي عابر، بل عن شرخ عميق طال الهوية، والتاريخ، وعقيدة الكرامة الكردية.
إليكم تفكيك هذا المشهد في نقاط متسلسلة تعري واقع “الصنم الفكري” ومصير تنظيمه:
1. طعنة كرد سوريا: بيع القضية في سوق الملاذ الآمن
في مقابلته الشهيرة مع الصحفي السوري نبيل الملحم (الموثقة في كتاب “سبعة أيام مع آبو”)، أطلق أوجلان تصريحاً صادماً شطب فيه الوجود التاريخي لكرد سوريا بجرة قلم، حين قال علانية: “لا يوجد كرد في سوريا، بل هم مهاجرون وفدوا من شمال كردستان (تركيا) ويجب إعادتهم لموطنهم الأصلي”. هذا التصريح لم يكن مجرد سقطة لسان، بل كان غطاءً سياسياً وأخلاقياً قدمه أوجلان للنظام السوري آنذاك لممارسة سياسات التعريب والإحصاء الجائر، مضحياً بالحقوق القومية لكرد سوريا مقابل معسكرات التدريب والملاذ الآمن في البقاع.
2. صدمة طائرة نيروبي: أين “إرث المشانق” الكردي؟
تربى الإنسان الكردي على أن القائد يموت واقفاً كالأشجار. تربى على مواقف الشيخ سعيد بيران وهو يواجه المشنقة بصلابة، وعلى قاضي محمد وهو يصرخ في وجه جلاديه على أعواد الإعدام: “حتى بعد إعدامي، ستكون صرماية (حذاء) أهلي أعلى من رؤوسكم”. تربى على عنفوان الفنان الراحل أحمد كايا الذي وقف في وجه الشوفينية التركية صارخاً: “لم ننزل رؤوسنا لأجدادكم، فهل تريدون أن ننزلها لكم؟”.
لكن صدمة الكرد كانت هائلة عندما شاهدوا أوجلان في طائرة نيروبي يرتجف خوفاً، ويقول للحراس الأتراك: “أمي تركية، وأنا أحب تركيا ومستعد لتقديم الخدمات للدولة”. لقد كان مشهداً كسر كبرياء مقاتليه قبل شعبه، ولم يكن انكساراً تكتيكياً بل كان تكريساً لثقافة الاستسلام.
3. المحكمة وإهانة دماء الشهداء الكرد
في قاعة المحكمة، لم يكتفِ أوجلان بالاعتذار، بل طلب العفو من أمهات الجنود الأتراك واصفاً إياهم بـ “الشهداء”، في وقت لم يترحم فيه على شهداء الكرد أو يذكر الآلاف من الشباب الذين دفعهم للجبال ليموتوا تحت إمرته! والأقسى من ذلك، هو إعلانه بأن مصطفى كمال أتاتورك هو مثله الأعلى وأيقونته الشخصية (Idolo)؛ في مفارقة مخزية لشعب يزخر تاريخه بالعباقرة والقادة والأبطال، ليأتي قائد ثورته ويتخذ من مهندس المجازر ضد الكرد معبوداً فكرياً له.
4. ضرب البنية الاجتماعية وتسييد الجهلاء
من الأمور التي خلقت كراهية صامتة وعميقة لأوجلان داخل المجتمع الكردي، هي سياسته القائمة على تدمير البنية الاجتماعية التقليدية. فقد قام الحزب بتسليم زمام الأمور والمسؤوليات السياسية والأمنية لأشخاص يفتقرون للعلم والمعرفة، ليكونوا آمرين وناهين على المثقفين، والأكاديميين، والوجهاء، وأصحاب الرساميل والكفاءات. هذا الأسلوب الشمولي تعارض تماماً مع العقلية الاجتماعية الكردية التي تحترم الوعي والجاه والمكانة، وحوّل التنظيم إلى سلطة قمعية ضد نخب المجتمع.( لقد قام هتلر باستخدام المجرمين في بداية حركته لضرب المنافسين من الشوعيبن و اليساريين. الا أنه بعد الوصول إلى السلطة . لم حوله عباقرة و دكاترة و طبقة أجتماعية متوازنة و مثقفة ) .
مقاربة تاريخية: أوجلان ونرجسية “عقدة النبوة”
الضحك المبكي في فكر أوجلان يظهر في إحدى مقابلاته عندما سُئل: “لماذا لا تملك مكتباً سياسياً أو لجنة مركزية فاعلة كباقي الأحزاب العالم ؟” فرد بنرجسية: “وهل كان لدى محمد مكتب سياسي أو لجنة مركزية؟”.
هنا نرى الخلل السيكولوجي؛ لقد قارن أوجلان نفسه بالنبي محمد في نقطة واحدة: الهروب من المؤسساتية والتمسك بالسلطة الديكتاتورية المطلقة التي لا تقبل المراجعة. لكنه في المقابل، رفض أن يتعلم من النبي محمد وضوحه القومي وانتماءه لبيئته ولغته وثقافته، حين قال: “أنا قريشي ذو لسان عربي”، ووظف عصبية قومه لبناء كيانهم ودولتهم. النبي محمد تعامل بواقعية سياسية واقتصادية لحماية ثورته (فلم يحرم العبودية بنص قاطع تفادياً لمجابهة اقتصاد قريش دفعة واحدة، لعلمه أن بناء نفسية العبد يحتاج لأجيال). كان هم محمد هو “أكل العنب” (نجاح الثورة وبناء الدولة)، بينما أوجلان شغل الكرد بمعارك طوباوية لـ “قتل الناطور” في كل مكان، والنتيجة: ضاع العنب، وتدمر الكرم الكردستاني!
إن سكوت قادة قنديل اليوم عن أطروحات أوجلان الخيالية والسير خلف يوتوبيا “الأمة الديمقراطية” (التي تريد من السمكة أن تطير مع الطير – طيران شغوب متخلفة تربت على الغزو و النهب و القتل و الأحرام مع شعب يحب الحياة ) سيجعل من الحزب شبيهاً بـ أهل الكهف.
يعيش قادة قنديل اليوم في عزلة جبالهم، متكلّسين داخل أدبيات تجاوزها الزمن والواقع، ومتمسكين بـ “عملة فكرية” خيالية؛ عندما ينزلون بها إلى سوق السياسة الحقيقية اليوم، لن يجدوا أحداً من الشعب يتعامل بها. لن ينفعهم مالهم الذي جمعوه، ولا فكرهم سيكون مقبولاً، وسيكتشفون بعد كل هذه التضحيات أن نومهم الأيديولوجي الطويل قادهم مباشرة إلى مزابل التاريخ.
كلمة أخيرة لقادة الحزب: الانقلاب أو الفناء
هناك بلبلة واضحة وضجيج صامت يعصف بصفوف الحزب اليوم، والشهور القادمة ستكون حاسمة. إن الأمل الوحيد المتبقي للاستفادة من خبرة القوميين والكوادر الميدانية داخل هذه المنظومة يكمن في أمر واحد: القيام بثورة داخلية وإعلان انشقاق فكري وهيكلي كامل عن أطروحات أوجلان الطوباوية الخيالية.
إما الجرأة في العودة إلى “الواقعية الكردستانية” وحماية المكتسبات القومية للشعب الكردي بالتحالف مع الصف الكردي الشامل.
أو الاستمرار في عبادة “الصنم الفكري”، ليكون المصير الحتمي هو التحلل والفناء، والتاريخ لن يرحم من استنزف طاقات ودماء شعب كامل… من أجل أوهام تخدم أعداء الأمة الكردية ولا أحد غيرهم.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=88910
مقالات قد تهمك










