أ. د. سربست نبي
كما قيل إن الناس على دين ملوكم، فإن الرعاع والعبيد على أخلاق أسيادهم وقادتهم، يستلهمون منهم ليس فقط تصوراتهم ومفاهيمهم عن العالم والوجود، إنما أيضاً معاييرهم في الأخلاق ومثلهم العليا في الحياة، فبمقدار ما يكون هذا السيد نبيلاً وحكيماً في سلوكه وعلمه يكون عبيده أرقى بقليل من بقية العبيد، إذن العبودية درجات، وعبيد هذا العصر لايحتاجون إلى قيود صدئة من الحديد على أيديهم وأقدامهم، لأن إرادتهم وتفكيرهم مقيدان بعقائد دوغمائية في رؤوسهم وأدمغتهم، أشد وطأة وقسوة من الحديد، تمنعهم من التفكير والتقرير، بينما كان العبيد المقيدين بسلاسل يتمتعون نسبياً بالقدرة على التفكير والتقرير. من هنا تبدو عبودية المجتمعات القديمة أهون من العبودية المعاصرة، فبينما كان هؤلاء العبيد، في العصور القديمة، يحتفظون بمقدار ما من التفكير والحلم والإرادة في تحطيم قيودهم والتحرر منها، يأبى العبيد المعاصرون، عبيد الأيديولوجيا والعقائد في زمننا ذلك، ويعاندون الحرية والتحرر، بل ينفرون منهه، ويمعنون بالمقابل في عبوديتهم، يكفرون بالتفكير والإرادة الحرة، بسبب تلك الأوهام والعقائد الراسبة على أدمغتهم، ويعمدون من هذا المنطلق في إنتاج المزيد ثم المزيد من تلك الأصنام والأوهام التي يعبدونها، وعلى هذا المنوال يجددون عبوديتهم ويعيدون إنتاجها وإنتاج شروطها كلما تقدم الزمن بهم.
ولعله كان محتملاً بشدة في تلك العصور أن يرحب العبيد بمحرريهم ويهتفوا بهم ويتفانوا لأجلهم، نجد عبيد عصرنا هذا يبدون غضباً وسخطاً ونقمة في وجه كل من ينتقد أوهامهم ويمدّ يد العون لهم لإزالة تلك الأوثان من على أدمغتهم وتحريرها. فيكفرون هؤلاء ويهدرون دمائهم ويلعنون كل ينحاز إلى مسعاهم…
وللحديث بقية
المصدر











