حكاية مثل آلاف الحكايا

تكبير الصورة

جليل ابراهيم المندلاوي

فِي مَكانٍ مُظلِمٍ ..
لا يَنتمي قَطْعاً إلى أرضٍ
ولا أيِّ مَكانْ
فِي زَمانٍ مُبْهَمٍ ..
لا يَنتمي أصلاً إلى عَصْرٍ
ولا أيِّ زَمانْ
مِثلِ آلافِ الحَكايا
حينَ تَبْلَى بينَ أحْضانِ الرَّزايا
لَمْ يَكُنْ فِيهَا صَدَى..
يَكسِرُ الصَّمْتَ الذي..
يُغْرِقُ أشباحَ المَدَى
لَمْ يَكُنْ فِيهَا أثرْ..
غَيرَ نَصْلٍ..
يَعْبُرُ الأرواحَ كَالخَوفِ الأَمَرْ
لَعْنَةُ التَّكْرارِ.. في جَوْفِ العَدَمْ
صَرَخاتٌ قَدْ تَلَاشَتْ..
بين أُوحَالِ النَّدَمْ
هكذا ضاعتْ مداراتُ البداية
وانْتَهَتْ من حيثُ كانت بَدَأتْ
هاذِي الحِكاية ..

*******

​نَظْرَةٌ .. قَدْ نَصَبَتْ
فَخَّ البِداية ..
حَرَّكَتْ بُرْكانَ عِشْقٍ
كانَ فِينا خامِداً
حتى تَجَلَّى ..
وبِما فيهِ الكِفاية
ثُمَّ بالفَخِّ هَوَيْنا
ورَضِينا ..
حينَ بالفَخِّ هَوَيْنا
فسكرنا من نبيذِ الوجدِ حتّى
أبصرَ الأعمى لظى الأشواقِ فينا
وكأنَّ الكونُ في عينيكِ
قصرٌ مِنْ ضياءٍ..
قد بناهُ الغيبُ فِينا
أَسْلَمَتْنَا لِلرُّؤى كَفُّ المَنايا
فَانْتَشَيْنَا..
مِثْلَ خَمْرٍ في السَّبايا
ما دَرَيْنَا أنَّ لِلنَّظْرَةِ حَدّاً..
يَقْطَعُ الأنفاسَ..
في زَيْفِ الحِكاية
نَظْرَةٌ كانتْ فَقَطْ ..
إذْ فَعَلَتْ ما فَعَلَتْ
فَبِنا قد حَلَّقَتْ .. بَيْنَ الغَمام
نَحْوَ أشْواقِ الغَرام
حيثُ تَمْتَدُّ إلى ما لا نِهاية​

*******

​فِي حَياةٍ زائِفة..
تَمْلأُ الدُّنيا سَراباً
ودُروباً شائِكة
تَسْرِقُ الأحْلامَ مِنّا
ثُمَّ تَرْمِينا ..
كما تُرْمَى (النُّفاية)
حيثُ كُنّا تائِهَيْنْ ..
ليسَ إلا .. تائِهَيْنْ ..
وكأنّا مثل نَهْرٌ..
جَفَّ في صَحْراءِ غَدْرٍ
لا مَصَبٌّ يَرْتَجِينا.. أو نِهاية
نَزْرَعُ الرِّيحَ سِنيناً.. في خَواءٍ
ونُغَنِّي..
لِجِراحٍ صامِتاتٍ.. لِلنِّكاية
كُلُّ وَعْدٍ كَانَ زَيْفاً..
كُلُّ فَجْرٍ.. كانَ لَيْلاً..
يَرْتَدِي ثَوْبَ الغِواية
يأكلُ الصمتُ صدى صرخاتنا
ويجفُّ الدمعُ في أحداقنا
تَعْبَثُ الأقدارُ فِينا
مِثْلَما يَعْبَثُ لَيْلٌ بِبَغايا
مَرَّةً تُدْنِي البَعيد ..
مَرَّةً تُقْصِي القَريب ..
كَيفَما كانتْ تَشاء ..
لا كَما كُنّا نُريد
فَلَدَى أقْدارِنا صَكُّ الوِصاية

*******

أَيُّ وَهْمٍ..
صاغَ لِلأرواحِ صَرْحاً؟
ثُمَّ دَكَّ الصَّرْحَ..
في لَمْحِ البَصَرْ
​وتكسَّرنا.. كمرآةٍ عجوزٍ
شاخَ فيها الوجهُ..
وانفضَّ الأَثَرْ
لم يَعُدْ في الكأسِ..
خمرٌ يُرتجى
لا، ولا في الروحِ..
صَبْرٌ يُدَّخَرْ
نجمعُ الأشلاءَ..
من قاعِ الرزايا
كلُّ حرفٍ قد كتبناهُ بدمعٍ
صارَ سكيناً..
وجرحاً.. وشظايا
هَكَذا نَمْضي..
شَتاتاً بَعْدَ عِشْقٍ
مِثْلَ دَمْعٍ..
جَفَّ في وَجْهِ الحَجَرْ
ضاعتِ الآمالُ في زيفِ البداية
وانطوى العُمْرُ.. كُسوراً..
في نِهاية..

*******

​نَحْنُ سَطْرَانِ بَقِينا
خَلْفَ أوراقِ الخريفِ
نَرقُبُ الريحَ..
لعلَّ الريحَ تأتي
بِخَريفٍ آخَرٍ.. يَطوي أسانا
نَحْنُ مَحْضُ الحِبْرِ..
في كَفِّ المآسي
تَكْتُبُ الأقدارُ فِينا.. ما تَشاءْ
لا مَلاذٌ يَنْحَني..
لَوْ جَفَّ صَوْتٌ
أو شَكَوْنا لَيْلَنا.. نَحْوَ السَّماءْ
نسْحَبُ الخَيْبَةَ..
نمْضِي فِي المَدَى
نَحْوَ مَوْتٍ.. حَيْثُ حَتْفٌ لا يُرَى
لم نكنْ غيرَ ظلالٍ..
تعبتْ من طولِ مَسراها..
ومِنا يَعْبُرُ العُمْرُ..
كَظِلٍّ فَوْقَ جِدْرٍ
تَسْقُطُ الأوراقُ..
تَتْلوها السِّنينْ
ما بَقِينا.. غَيْرَ ذِكرى في كِتابٍ
فانزوينا في زوايا الذكرياتْ
نقرأُ الخوفَ..
ونستجدي الرواية
فِي مَتـاهاتِ الحِكاية ..

*******

​عَبَثاً كُنّا التَقَيْنا ..
عَبَثاً كانَ الغَرامُ بَيْنَنا ..
عَبَثاً حِينَ هَوَيْنا ..
فَهَوانا كانَ للأقْدارِ أيضاً
فيهِ غاية ..
لَسْتُ أدْري .. أيَّ غاية ..!؟
تَبْتَغي الأقْدارُ مِنْها
فِي حِكاية ..
قَبْلَ أنْ تَبْدَأَ فِي أحْداثِها
تَنْصِبُ شَرَكاً للنِّهاية
كُلَّما قُلنا وَصَلنا.. ضاعَ دَرْبٌ
وانْحَنى السَّقْفُ عَلينا.. كَالقُبورْ
نَحْنُ مَوْتى..
غَيْرَ أَنّا لَمْ نُكَفَّنْ
في زوايا الصمتِ..
نقتاتُ الصخورْ
ننْحني.. فِي قَبْضَةِ الرِّيحِ انْكِسَاراً
بَيْنَ أَطْباقِ الثَّرَى
ننْشُدُ الغُفْرانَ..
مِنْ ذَنْبٍ قَدِيمٍ
قَبْلَ أنْ تُروَى.. الحِكاية
​هكذا تمضي الحكايا
تتركُ الأبطالَ صرعى.. في الختامْ
لا وداعٌ.. لا سلامْ
إنما صمتٌ طويلٌ..
يحتوينا..
حين يغدو الحُبُّ.. وهماً أو جِناية

 

× Zoomed Image
Scroll to Top