الشعب الكردي في سوريا.. الحاجة إلى نهج سياسي مستقل وإرادة وطنية حرة

تكبير الصورة

كاتب وسياسي : مسلم شيخ حسن – كوباني 

لا يمكن لأي قضية قومية أو وطنية أن تحقق أهدافها أو تثبت وجودها السياسي ما لم تستند قراراتها إلى إرادة شعبها ومصالحه الحقيقية، بعيداً عن حسابات وأجندات الآخرين. ومن هذا المنطلق، تحتاج القضية الكردية في سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة جادة لمسارها السياسي وإلى بناء نهج قومي مستقل يعيد الاعتبار لقرارها الكردي السوري ويجعل مصالح الشعب الكردي السبيل الوحيد للعمل السياسي.

أثبتت تجربة العقود الماضية أن المنظمات التي لا تستمد شرعيتها من هموم الشعب وتطلعاته، ولا تعبر عن إرادته الحرة، سرعان ما تفقد قدرتها على التأثير، وتتحول إلى مجرد أدوات لا تخدم القضية التي تدعي تمثيلها. إن شرعية أي منظمة سياسية لا تمنح بالشعارات بل تكتسب بالتزامها بقضايا شعبها واستقلالية قراراتها، وولائها في الدفاع عن حقوقه.

لقد دفعت الحركة السياسية الكردية في سوريا ثمناً باهظاً نتيجة ارتهانها للمحاور الكردستانية. وقد أثر ذلك سلباً على استقلالية القرار السياسي الكردي السوري، وأضعف قدرتها على بناء مشروع قومي يعالج خصوصيات القضية الكردية في سوريا ضمن إطار وطني، بعيداً عن تأثيرات التجاذبات الخارجية. كما أدى هذا الارتهان إلى هدر العديد من الفرص السياسية، وإرباك الأولويات وتراجع ثقة الشعب في القوى السياسية التي ينبغي أن تكون ممثلة حقيقية لأهداف الشعب الكردي.

وقد أثبتت التجربة أن القضايا القومية لا تدار بالوكالة ولا تبنى على التبعية بل تنهض بإرادة أصحابها، وبقدرتهم على صياغة مشروع سياسي مستقل ينسجم مع واقعهم ويعكس مصالحهم ويستجيب لمتطلبات المرحلة. لذلك، يجب أن يصاغ مستقبل القضية الكردية في سوريا من داخل سوريا، على يد الشعب الكردي نفسه، لا وفقاً لحسابات أو أولويات القوى الكردستانية المتغيرة.

اليوم، تفرض المسؤولية القومية ضرورة بناء منظمات سياسية مستقلة تتمتع بإرادتها الحرة، وتستمد شرعيتها من الجماهير، وتعبر بصدق عن تطلعات الشعب الكردي وحقوقه القومية المشروعة، متحررة من أي وصاية أو تبعية. وحدها المنظمة القومية المستقلة قادرة على بناء الثقة مع الشعب وتوحيد الصفوف وخلق خطاب سياسي حقيقي ومسؤول يعزز حضور الكرد في الحياة السياسية السورية، ويدافع عن الحقوق المشروعة ضمن رؤية وطنية وديمقراطية.

إن استقلالية القرار السياسي ليست شعاراً يرفع في المناسبات بل هي شرط أساسي لبناء حركة سياسية قوية قادرة على مواجهة التحديات. فكلما استندت القرارات إلى إرادة الشعب، زادت فرص النجاح في تحقيق تطلعاته وتعزيز حضوره كشريك حقيقي في بناء مستقبل سوريا.

إن المرحلة الراهنة تستدعي تقييماً ذاتياً شجاعاً وجرأة في تصحيح المسار، وإيماناً راسخاً بأن مصلحة الشعب الكردي في سوريا يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات الحزبية والإقليمية. فالقضية التي تستند إلى إرادة شعبها لا تحتاج إلى وصاية، والتنظيم الذي يحافظ على استقلالية قراره هو الأقدر على الدفاع عن حقوق شعبه، وحماية كرامته، وتحويل تطلعاته القومية إلى مشروع سياسي قوي ومستدام.

 

12 / 7 / 2026

× Zoomed Image
Scroll to Top