كوردستان… ما بُني بالدم لا يُفرَّط به

تكبير الصورة

مهند محمود شوقي

ليست كل الأوطان وُلدت على طاولة المفاوضات، ولا كل الحدود رُسمت بالحبر. هناك أوطان كُتبت بالدم، وحُفرت في ذاكرة شعوبها بالتضحيات، وكوردستان واحدة منها.

فما يراه العالم اليوم من مدن نابضة بالحياة، وطرق حديثة، وجامعات، ومستشفيات، ومؤسسات، لم يكن يومًا هدية من التاريخ، بل ثمرة قرن من النضال. فمن ثورة الشيخ محمود الحفيد، إلى ثورات بارزان، إلى ثورة أيلول بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى بارزاني، وصولًا إلى انتفاضة آذار عام 1991، ظل شعب كوردستان يقدم التضحيات دفاعًا عن حقه في الحرية والكرامة وتقرير مصيره.

ولم تكن تلك التضحيات مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل كانت معاناة عاشتها أجيال كاملة. فقد تعرض الكورد لسياسات التهجير والتغيير الديموغرافي، ودُمّرت آلاف القرى، واقتُلعت عائلات من جذورها، وارتُكبت حملات الأنفال التي اعترف بها عدد من البرلمانات والمؤسسات الدولية بوصفها جريمة إبادة جماعية، قبل أن يهتز ضمير العالم أمام جريمة قصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية عام 1988، التي راح ضحيتها آلاف المدنيين الأبرياء.

لكن المأساة لم تكن نهاية الحكاية، بل كانت بداية فصل جديد منها. فمن بين ركام القرى، ومن بين دموع الأمهات، وُلدت إرادة الحياة. وجاءت انتفاضة عام 1991 لتفتح صفحة جديدة في تاريخ كوردستان، أعقبها تأسيس برلمان كوردستان عام 1992، وانطلاق تجربة سياسية وإدارية استطاعت، رغم ما واجهته من تحديات، أن ترسخ مؤسسات الحكم، وتبني نموذجًا للاستقرار في منطقة لم تعرف الاستقرار طويلًا.

لهذا، فإن ما تحقق في كوردستان اليوم ليس مجرد منجز حكومي أو اقتصادي، بل هو امتداد طبيعي لتضحيات الذين آمنوا بأن الحرية تستحق أن يُدفع ثمنها، وأن بناء الوطن لا يقل قداسة عن الدفاع عنه.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك التجربة، لم يعد السؤال: كيف نبني كوردستان؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نحمي ما بُني بالدم؟

إن أول ما يجب أن نحميه هو الاستقرار. ففي عالم يموج بالصراعات، أصبح الاستقرار ثروة لا تقل قيمة عن النفط والغاز والموارد الطبيعية. فهو الذي يمنح الطالب فرصة التعلم، والطبيب فرصة العلاج، ورجل الأعمال الثقة للاستثمار، والأسرة القدرة على التخطيط لمستقبلها. وخلال السنوات الأخيرة، واجه إقليم كوردستان تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، من الحرب على تنظيم داعش، إلى الأزمات المالية، والخلافات مع بغداد، والهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي استهدفت حقول الطاقة والبنية التحتية. ورغم ذلك، استمرت المؤسسات في أداء واجبها، واستمرت عجلة التنمية في الدوران، وهو ما يعكس قوة التجربة وصلابة المجتمع.

وثاني ما يجب أن نحميه هو المؤسسات. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهض بالأشخاص مهما بلغت قدراتهم، وإنما بمؤسسات قوية وعادلة. وفي كتابه الشهير لماذا تفشل الأمم؟ يؤكد الاقتصادي دارون عجم أوغلو، بالاشتراك مع جيمس روبنسون، أن المؤسسات الشاملة هي الأساس الحقيقي لازدهار الدول واستقرارها. ومن هذا المنطلق، شهد الإقليم خلال السنوات الأخيرة خطوات إصلاحية في الإدارة العامة، والتحول الرقمي، وتطوير الخدمات الحكومية، وإطلاق مشروع «حسابي» لتوطين الرواتب وتعزيز الشمول المالي، وهي خطوات تهدف إلى بناء إدارة أكثر كفاءة وشفافية.

كما يجب أن نحمي الاقتصاد، لأن التنمية هي الوجه الآخر للاستقرار. فمن دون اقتصاد قوي لا يمكن توفير فرص العمل، ولا تحسين الخدمات، ولا تعزيز استقلال القرار السياسي. ولهذا، واصلت حكومة إقليم كوردستان تنفيذ مشاريع استراتيجية في قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والسدود والطاقة، وفي مقدمتها مشروع «روناكي» الذي يستهدف توفير الكهرباء على مدار الساعة، وتقليل الاعتماد على المولدات الأهلية، بما يسهم في تحسين البيئة، وخفض التكاليف، ودعم النشاط الاقتصادي.

ولا يمكن الحديث عن المستقبل دون حماية الاستثمار. فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق. وكل مشروع جديد يعني فرصة عمل جديدة، وكل استثمار ناجح يعني خطوة إضافية نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة. ولذلك، فإن حماية البيئة الاستثمارية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأكمله.

ومن أهم ما يجب أن نحميه أيضًا التعايش. فقد كانت كوردستان عبر العقود موطنًا لمختلف المكونات القومية والدينية، واحتضنت خلال الحرب على تنظيم داعش أكثر من مليون وثمانمائة ألف نازح ولاجئ، في موقف إنساني أشادت به الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. لقد أثبتت هذه التجربة أن قوة كوردستان لا تكمن في تنوعها فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى عنصر قوة واستقرار.

وفي عصر الإعلام الرقمي، أصبحت الحقيقة نفسها بحاجة إلى من يحميها. فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالمعلومات المضللة، والشائعات، ومحاولات بث الخوف وإضعاف الثقة بالمؤسسات. ولهذا، فإن مسؤولية حماية كوردستان تبدأ أيضًا من الكلمة الصادقة، ومن الإعلام المهني، ومن وعي المواطن الذي يدرك أن نشر الشائعة قد يخدم أعداء وطنه أكثر مما يتخيل.

ويبقى الإنسان الكوردستاني هو الثروة التي تسبق كل الثروات. فالطرق والجسور والسدود ومحطات الكهرباء لا تكتمل قيمتها إلا عندما تنعكس على حياة الإنسان، وتوفر له التعليم الجيد، والرعاية الصحية، وفرص العمل، والعدالة، والكرامة. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع فحسب، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصادات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تستثمر في رأس المال البشري، وتبني مؤسسات قوية، وتعزز الحوكمة الرشيدة. كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الأمن لم يعد مفهومًا عسكريًا فقط، بل يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والبيئي. وهذه الرؤية تنسجم مع احتياجات كوردستان، التي تتطلع إلى بناء اقتصاد متنوع، ومؤسسات أكثر كفاءة، وخدمات أكثر جودة.

لكن التفريط لا يبدأ بخسارة الأرض فقط، بل قد يبدأ عندما نُهمل مؤسساتنا، أو نسمح للفساد أن يضعفها، أو نحول الاختلاف السياسي إلى انقسام يهدد وحدة المجتمع، أو نتعامل مع تضحيات الماضي وكأنها مجرد ذكرى. فالشعوب التي تنسى تاريخها، تُعرّض مستقبلها للخطر.

لقد أثبتت كوردستان خلال العقود الماضية أنها قادرة على النهوض بعد كل أزمة، وأنها تمتلك من الإرادة ما يجعلها تحول المحن إلى فرص. غير أن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب وعيًا جماعيًا بأن الوطن ليس مسؤولية حكومة أو حزب أو مؤسسة، بل مسؤولية كل مواطن يعيش على هذه الأرض.

إن الذين ضحوا بأرواحهم لم يفعلوا ذلك لكي تبقى كوردستان أسيرة الأزمات، بل لكي تكون وطنًا آمنًا مزدهرًا، يحكمه القانون، وتحميه المؤسسات، ويؤمن أبناؤه بأن اختلافهم مصدر قوة لا سببًا للفرقة.

واليوم، تقع على عاتق هذا الجيل مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الأجيال التي سبقته. فإذا كان الآباء قد صنعوا تاريخ كوردستان بالنضال، فإن الأبناء مطالبون بصناعة مستقبلها بالعلم والعمل والإبداع والإصلاح. فبناء الأوطان لا يتوقف عند لحظة التحرير، بل يبدأ منها.

كوردستان ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة شعب، وإرث شهداء، وحلم أجيال. وما بُني بالدم لا يُفرَّط به بالخلاف، ولا بالإهمال، ولا بالفساد، ولا بالشائعات، ولا باللامبالاة. بل يُصان بالوحدة، ويُحمى بالمؤسسات، ويزدهر بالعمل، ويستمر بالإيمان بأن هذا الوطن يستحق، كما استحق بالأمس التضحيات، أن يستحق اليوم كل جهد يُبذل من أجل مستقبله.

× Zoomed Image
Scroll to Top