العنصرية… حين تصبح العدالة انتقائية

تكبير الصورة

راندا شوقى الحمامصى

إن أخطر أنواع العنصرية ليست أن يحتقر الإنسان لونًا أو شعبًا، بل أن ينسى أن أصله واحد مع الجميع. فمن يعتقد أنه خُلق من مادة أرقى من غيره، يكون قد أقام جدارًا بينه وبين الحقيقة. فالروح لا لون لها، والضمير لا جنسية له، والمحبة لا تحتاج إلى جواز سفر.

ليست العنصرية دائمًا صرخة كراهية….وليست دائمًا شتيمةً تُقال، أو لونًا يُحتقر، أو شعبًا يُهاجم.
فأخطر أشكال العنصرية هي تلك التي لا تُعلن عن نفسها…..تلك التي ترتدي ثوب العدالة…وتتكلم بلغة القانون…وترفع شعارات حقوق الإنسان…بينما تمارس في الخفاء أكثر أشكال التمييز قسوة.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

حين تصبح العدالة انتقائية.
إن العالم لا يُصاب بالصدمة عندما يرى ظالمًا يظلم، فهذا أمر عرفته البشرية منذ فجر التاريخ. لكنه يُصاب بالارتباك عندما يرى العدالة نفسها تميل، والقانون يختار، والضمير الإنساني يفتح عينيه على مأساة، ثم يغلقهما أمام مأساة أخرى.
وهنا تبدأ العنصرية في أخطر صورها…حين تصبح العدالة انتقائية.
إن أخطر أنواع العنصرية ليست أن يحتقر الإنسان لونًا أو شعبًا، بل أن ينسى أن أصله واحد مع الجميع. فمن يعتقد أنه خُلق من مادة أرقى من غيره، يكون قد أقام جدارًا بينه وبين الحقيقة. فالروح لا لون لها، والضمير لا جنسية له، والمحبة لا تحتاج إلى جواز سفر.

العدالة الحقيقية لا تعرف جنسية…ولا لونًا..ولا دينًا..ولا لغة.
فالطفل الذي يبكي في أي بقعة من الأرض، يبكي بالألم نفسه….والأم التي تفقد ابنها، لا تختلف دموعها لأنها وُلدت في الشرق أو الغرب.
والإنسان الذي يُسلب حقه، لا يشعر بالظلم بطريقة تختلف باختلاف جواز سفره.
ومع ذلك…ما زال العالم يتعامل مع الإنسان بدرجات.
فكأن الحياة أصبحت تمتلك أسعارًا مختلفة…………………..
هناك إنسان يُبكي العالم كله إذا تألم…وهناك إنسان آخر يموت كل يوم، فلا يتحرك في نشرات الأخبار إلا رقمٌ جديد.
فأي حضارة هذه التي تزن الدماء بموازين مختلفة؟
إن أخطر أنواع العنصرية ليست أن يكره الإنسان إنسانًا…بل أن يختلف مقدار التعاطف معه….حين يصبح الألم نفسه قابلًا للتصنيف…..وحين تُقسم المآسي إلى مآسٍ تستحق الاهتمام… وأخرى لا تستحق حتى الالتفات.
فإذا وقع ظلم في دولة قوية، تحركت البيانات، وعُقدت الاجتماعات، وامتلأت الشاشات بالتحليلات.
أما إذا وقع الظلم نفسه في دولة ضعيفة، فقد يمر الخبر مرور العابر، وكأن الضحية وُلدت بدرجة أقل من الإنسانية.
وهنا لا يكون الظلم قد وقع على الإنسان وحده…بل على فكرة الإنسان.
لقد أصبح العالم يتحدث كثيرًا عن حقوق الإنسان…لكن السؤال المؤلم هو:
هل أصبحت حقوق الإنسان حقًا للإنسان؟
أم أصبحت حقًا لمن يملك القوة؟

إن المبادئ لا تصبح مبادئ إلا إذا طُبقت على الجميع…أما إذا تغيرت بتغير المصالح، فإنها تتحول من قيمٍ أخلاقية إلى أدوات سياسية.
فالعدالة التي تختار ضحاياها…ليست عدالة….والرحمة التي تفتح بابًا وتغلق آخر…ليست رحمة….وحقوق الإنسان التي تُمنح لفريق وتُحجب عن آخر…ليست حقوقًا…بل امتيازات.
والتاريخ شاهدٌ صامت……..
فكم من حروب بدأت بشعار تحرير الشعوب، وانتهت باحتلالها.
وكم من شعارات الحرية استُخدمت لتبرير الهيمنة.
وكم من القوى الكبرى تحدثت عن السلام، بينما كانت مصانع السلاح تعمل ليلًا ونهارًا.
إن المشكلة لم تكن يومًا في الكلمات….فالكلمات جميلة دائمًا….لكن الامتحان الحقيقي هو:هل تبقى المبادئ مبادئ عندما تتعارض مع المصالح؟
هناك يسقط القناع.

إن العنصرية الحديثة أصبحت أكثر ذكاءً من العنصرية القديمة.
قديماً كانت تقول:
“هذا الإنسان أقل قيمة.”
أما اليوم فهي تقول:
“نحن نحترم الجميع…”
ثم تتصرف بطريقة تجعل الجميع يدرك أن هذا الاحترام ليس متساويًا.
ولهذا أصبحت العنصرية أكثر صعوبة في اكتشافها…لأنها لا تختبئ خلف الكراهية…بل خلف الدبلوماسية.
ولا تتحدث بلغة الازدراء…بل بلغة المصالح.

إن الحضارة ليست ما نملكه من جامعات، ولا ما ننتجه من تقنيات، ولا ما نرسله إلى الفضاء.
الحضارة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان هو القيمة العليا….لا النفط…ولا الحدود…ولا الأسواق…ولا التحالفات.
فكل حضارة تضع المصالح فوق الإنسان، تكون قد بدأت رحلة سقوطها، حتى وإن كانت تبدو في أوج قوتها.
ولعل أعظم مأساة في عصرنا، أن الإنسان أصبح أحيانًا وسيلة، بعد أن كان ينبغي أن يكون غاية.
فالعنصرية ليست مجرد كلمة تُقال، ولا مجرد موقفٍ عدائي تجاه إنسانٍ يختلف عنّا، بل هي مرضٌ يصيب الرؤية قبل أن يصيب السلوك. إنها لحظة ينسى فيها الإنسان أنه ينتمي إلى أسرةٍ بشرية واحدة، فيتوهم أن اختلاف اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الوطن أو الطبقة الاجتماعية، يمنحه قيمةً أعلى من غيره. ومن هنا تبدأ المأساة.
العنصرية… حين ينسى الإنسان إنسانيته
العنصرية ليست لونًا في البشرة، بل لونٌ في القلب. وليست اختلافًا بين البشر، بل عجزًا عن رؤية الإنسان في الإنسان.

خلق الله البشر مختلفين، لا ليكون الاختلاف سببًا للصراع، بل ليكون مصدرًا للجمال والتكامل. فلو كانت الورود كلها بلونٍ واحد، لفقدت الحديقة نصف جمالها، ولو كانت الموسيقى تعزف نغمةً واحدة، لتحولت إلى ضجيج. وكذلك الإنسانية… ازدهارها قائم على تنوعها.
لكن الإنسان، منذ أقدم العصور، حاول أن يحوّل الاختلاف إلى درجات، والتنوع إلى سلّمٍ للتفوق. فمنهم من عبد لون بشرته، ومنهم من عبد نسبه، ومنهم من عبد قوميته، ومنهم من عبد دينه، حتى أصبح الإنسان يقيس قيمة أخيه بما يحمله من هوية، لا بما يحمله من أخلاق.

العنصرية تبدأ بفكرة صغيرة جدًا…حين يقول الإنسان في داخله:
“أنا أفضل.”
ثم تكبر هذه الفكرة حتى تتحول إلى نظرة، ثم إلى كلمة، ثم إلى سلوك، ثم إلى قانون، ثم إلى نظامٍ كامل يظلم الملايين.
ولهذا فالعنصرية لا تبدأ في الشارع، بل تبدأ داخل العقل.
فهناك عنصرية اللون…التي تجعل الأبيض أفضل من الأسود، أو الأسود أفضل من الأبيض، وكأن الروح تُصبغ بالجلد، مع أن الدم واحد، والدموع واحدة، والألم واحد، والموت لا يفرّق بين أحد.
وهناك عنصرية الدين…حين يظن الإنسان أن الله ملكٌ لجماعته وحدها، وأن رحمته لا تتجاوز حدود عقيدته. فينسى أن الله هو رب العالمين، وأن محبته أوسع من حدود البشر.
وهناك عنصرية الجنس…حين يُختزل الإنسان في كونه رجلًا أو امرأة، ويُمنح أحدهما كرامةً أكثر من الآخر، مع أن الإنسانية لا تُقاس بالنوع، بل بما يقدمه الإنسان من خير وعدل ورحمة.
وهناك عنصرية الطبقة…حين يحتقر الغني الفقير، أو يحتقر المتعلم البسيط، أو يحتقر صاحب المنصب العامل البسيط، فينسى أن القيمة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نكون.
وهناك عنصرية الفكر…وهي من أخطر الأنواع.
أن يحتقر الإنسان كل من يخالفه الرأي، فيعتبر الاختلاف خيانة، والنقد عداوة، والحوار ضعفًا. بينما الحقيقة أن العقول لا تنضج إلا بالاختلاف، وأن الحقيقة لا تخاف من الحوار.
وللعنصرية وجوه خفية لا ينتبه إليها الناس…..فقد تكون في الابتسامة…وقد تكون في الصمت….وقد تكون في تجاهل شخص لأنه مختلف….وقد تكون في نكتة يظنها الناس بريئة….وقد تكون في فرصة عمل حُرم منها إنسان لأنه يحمل اسمًا معينًا، أو ينتمي إلى منطقة معينة، أو يتحدث بلهجة مختلفة.

إن العنصرية ليست دائمًا صراخًا… بل كثيرًا ما تكون همسًا.
الأخطر من العنصرية الفردية…العنصرية الجماعية….حين تتحول الكراهية إلى ثقافة….وحين تُربّى الأجيال على أن هناك بشرًا أقل قيمة…..وحين تُكتب المناهج لتزرع التفوق بدل المساواة….وحين تُستخدم وسائل الإعلام لتغذية الخوف من الآخر.
عندها لا يعود الظلم حادثة، بل يصبح أسلوب حياة.
فالعنصرية لا تؤذي الضحية وحدها…بل تدمّر صاحبها أيضًا.
فالإنسان العنصري يعيش داخل سجنٍ صنعه بنفسه….يخاف من المختلف….ويرفض التعلم منه.
ويغلق قلبه قبل أن يغلق بابه….وحين يغلق القلب… تموت فيه القدرة على الحب…والغريب أن أكثر الناس عنصرية هم غالبًا أكثرهم خوفًا.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى احتقار أحد….والإنسان الممتلئ لا يشعر بالحاجة إلى إثبات تفوقه.
أما من يعاني فراغًا داخليًا، فإنه يبحث عن شخصٍ يضعه تحته ليشعر بأنه أعلى.
ولهذا فإن العنصرية ليست دليل قوة…بل دليل هشاشة.

لقد دفعت الإنسانية ثمن العنصرية أنهارًا من الدماء…حروب…واستعمار…وعبودية…وإبادة…وتمييز…وجدرانًا فصلت بين البشر، لا لأنهم أقل إنسانية، بل لأن غيرهم صدّق وهم التفوق.
وما تزال البشرية، حتى اليوم، تدفع هذا الثمن كلما قُدِّمت الهوية على الإنسانية.

إن علاج العنصرية لا يكون بالقوانين وحدها، رغم ضرورتها…..فالقانون يمنع الظلم…لكنه لا يزرع المحبة.
أما العلاج الحقيقي، فيبدأ من التربية….أن يتعلم الطفل منذ صغره أن الإنسان ليس اسمه، ولا لونه، ولا لغته، ولا دينه، بل قلبه وأعماله….وأن التنوع ليس خطرًا…بل نعمة….وأن الاختلاف لا يهدد الحقيقة…
بل يثريها.
وحين ينضج الإنسان روحيًا، يكتشف أن كل البشر يحملون الشرارة نفسها….قد تختلف الملامح…لكن الروح واحدة.
قد تختلف اللغات…لكن الابتسامة تُفهم في كل مكان.
قد تختلف الصلوات…لكن الدموع الصادقة تصل إلى السماء من كل قلب.
وحين يصل الإنسان إلى هذه الرؤية، تسقط كل الحواجز التي صنعها الوهم.
سيأتي يوم تدرك فيه البشرية أن أعظم حضارة ليست تلك التي تبني أعلى الأبراج، ولا تلك التي تملك أقوى الجيوش، بل تلك التي تستطيع أن تنظر إلى كل إنسان فتقول:
“أنت أخي في الإنسانية… قبل أن تكون أي شيء آخر.”
وعندما يصبح الإنسان إنسانًا بحق، لن يسأل عن لون الوجه، ولا عن اسم الوطن، ولا عن شكل العبادة، بل سيسأل سؤالًا واحدًا:
هل يحمل هذا القلب حبًا؟
فإذا كان الجواب نعم…فقد انتهت العنصرية، وبدأت الإنسانية.

العنصرية في جوهرها ليست أزمة مجتمع فقط، بل هي مرض في الروح، وشفاء الروح يبدأ عندما ترى الإنسان قبل كل الهويات.
العنصرية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي منظومة فكرية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية، ونفسية، وروحية. وهي من أكثر الظواهر تعقيدًا في التاريخ الإنساني، لأنها استطاعت أن تتخفى في صور عديدة؛ تارة باسم الحضارة، وتارة باسم الأمن، وتارة باسم الدين، وتارة باسم الوطنية، وتارة باسم حماية الهوية.

إن أخطر أنواع العنصرية ليست أن يحتقر الإنسان لونًا أو شعبًا، بل أن ينسى أن أصله واحد مع الجميع. فمن يعتقد أنه خُلق من مادة أرقى من غيره، يكون قد أقام جدارًا بينه وبين الحقيقة. فالروح لا لون لها، والضمير لا جنسية له، والمحبة لا تحتاج إلى جواز سفر.
إن البشرية اليوم تمتلك من وسائل الاتصال ما يجعل العالم قرية صغيرة، لكنها ما زالت تعاني من عقولٍ تعيش داخل أسوارٍ قديمة. ولذلك فإن القضاء على العنصرية لا يتحقق بمجرد إصدار القوانين، بل يحتاج إلى ثورة في الوعي، وإلى تربية تُعلِّم الإنسان أن الاختلاف ليس تهديدًا، بل دعوة للتعارف والتكامل.
فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تنهار أولًا بسبب الفقر أو الكوارث الطبيعية، وإنما عندما يختل ميزان النظر إلى الإنسان. وحين يصبح بعض البشر “أكثر بشرية” من غيرهم، تبدأ الحضارة في كتابة شهادة وفاتها، حتى وإن كانت في ذروة قوتها.
العنصرية ليست حادثًا عابرًا في سجل الإنسانية، بل خيطٌ أسود يمتد بين معظم الحروب، والعبودية، والاستعمار، والإبادات الجماعية، والتمييز، والاضطهاد. وكل عصر كان يظن أنه تجاوزها، لكنها كانت تعود بثوب جديد، وباسم جديد، وبمبررات أكثر أناقة.
فالشر نادرًا ما يأتي معلنًا عن نفسه، بل يأتي مرتديًا ثياب الفضيلة.
فكم من ظلم ارتُكب باسم نشر الحضارة!
وكم من احتلال قيل إنه رسالة لإنقاذ الشعوب!
وكم من استغلال اقتصادي سُمّي تعاونًا!
وكم من كراهية اختبأت خلف شعار حماية الهوية!
إن العنصرية تمتلك قدرة مدهشة على تغيير أقنعتها، لكنها لا تغيّر وجهها الحقيقي.

فما الذي ينقص إنسانًا حتى يشعر بالحاجة إلى أن يكون أعلى من غيره؟
إن النفس الإنسانية، عندما تفقد أمنها الداخلي، تبحث عن تعويض خارجي. فإذا عجز الإنسان عن أن يكبر بالعلم، أو بالأخلاق، أو بالإبداع، حاول أن يكبر بالمقارنة. وإذا لم يجد ما يميزه، صنع لنفسه امتيازًا وهميًا، يستمده من لون بشرته، أو قوميته، أو نسبه، أو طبقته، أو مذهبه، أو لغته.
ومن هنا تصبح العنصرية محاولة يائسة لترميم شعور داخلي بالنقص، لكنها لا تعالج الجرح، بل تخفيه خلف قناع التفوق.
فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى إذلال أحد ليشعر بقيمته، أما المهزوز فإنه يبني عرشه فوق كرامة الآخرين.
ولو تأملنا التاريخ طويلًا، لاكتشفنا أن العنصرية لم تكن يومًا حكرًا على شعب أو قارة أو دين أو حضارة.
لقد مارسها الأقوياء والضعفاء…..ومارسها المستعمر والمستعمَر….ومارسها الأغنياء والفقراء…بل إن الضحية نفسها قد تتحول، إذا امتلكت القوة، إلى جلاد جديد.
وهذا يكشف حقيقة مؤلمة:
أن العنصرية ليست صفة شعب، بل قابلية كامنة في النفس البشرية إذا غاب عنها الوعي والعدل.
ولهذا فإن التاريخ لا يروي فقط قصص الذين اضطهدوا، بل يروي أيضًا كيف أن بعض المظلومين، حين تبدلت موازين القوة، أعادوا إنتاج الظلم نفسه.
وكأن المشكلة لم تكن في السلطة، بل في الروح التي حملت السلطة.
إن الحضارة لا تُقاس بما تبنيه من مدن، بل بما تهدمه من حواجز بين البشر.
وقد تمتلك أمة أعظم الجامعات، وأحدث المختبرات، وأقوى الاقتصاد، لكنها إذا كانت تنظر إلى بعض البشر باعتبارهم أقل قيمة، فإنها لم تبلغ بعدُ نضج الحضارة، مهما بلغت من التقدم.
فالحضارة ليست ارتفاع البنيان…بل ارتفاع الضمير.
وليست سرعة التكنولوجيا…بل اتساع الرحمة.
وليست السيطرة على الطبيعة…بل الانتصار على الأنانية.
ولهذا فسؤالنا الحقيقي هو ليس: كم تقدمت البشرية؟
بل: هل أصبحت أكثر إنسانية؟
ذلك هو المقياس الذي لا يكذب.

فإن العدالة لا تحتاج إلى جنسية….ولا الضمير يحتاج إلى تأشيرة سفر….ولا الحقيقة تحتاج إلى إذن من أحد كي تُقال.
فإما أن يكون الإنسان إنسانًا أينما كان…وإما أن نفقد الحق الأخلاقي في الحديث عن المساواة….فالعدل الذي يُجزَّأ ليس عدلًا….والكرامة التي تُمنح للبعض وتُحجب عن البعض ليست كرامة….والإنسانية التي تتوقف عند حدود الجغرافيا ليست إنسانية.
سيأتي يوم، وستدرك البشرية أن أكبر خطر لم يكن اختلاف الأديان، ولا اختلاف الألوان، ولا اختلاف الأوطان….بل كان اعتقاد بعض البشر أن العدالة يمكن أن تكون انتقائية….لأن العدالة، إذا فقدت حيادها، لم تعد ميزانًا…بل أصبحت طرفًا في الصراع….وحين يحدث ذلك، لا يخسر المظلوم وحده….ولا يخسر الضعيف وحده….بل تخسر الحضارة آخر ما بقي لها من ضمير.
ويبقى السؤال معلقًا أمام الإنسانية كلها…هل نريد عالمًا تحكمه القوة باسم العدالة؟
أم عالمًا تحكمه العدالة، فلا تحتاج القوة إلى أن تبرر نفسها؟

“ليس أخطر ما قد يخسره الإنسان أن يخسر وطنًا، أو مالًا، أو منصبًا… بل أن يخسر قدرته على أن يرى في وجه الآخر أخًا له في الإنسانية. فمن تلك اللحظة، تبدأ كل الحروب، ولو لم تُطلق رصاصة واحدة.”

× Zoomed Image
Scroll to Top