هل تتخلى أمريكا عن أكبر قنصلياتها في العالم في أربيل؟

تكبير الصورة

رمزي ميركاني

يدور الحديث الآن حول انسحاب القوات الأمريكية من العراق، حيث حُدِّد يوم 30 أيلول/سبتمبر موعداً للانسحاب النهائي لهذه القوات. ويبدي خصوم الكرد، ولا سيما الميليشيات المسلحة، ارتياحهم لهذا الانسحاب، ظناً منهم أن إقليم كردستان، وتحديداً العاصمة أربيل، ستصبح فريسة سهلة لهم؛ إذ يزعمون أنه بانسحاب القوات الأمريكية، لن تتمكن أربيل بعد الآن من التصدي للهجمات الجوية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وسيكون بمقدورهم قصف أي مكان يريدونه.

ولكن دعونا نتساءل: هل ستتخلى أمريكا عن أكبر قنصلية لها في العالم والموجودة في أربيل؟ هل ستجعل أمريكا قنصليتها التي كلفت مبالغ طائلة هدفاً لهجمات الميليشيات ليدمروها في طرفة عين؟ لا أعتقد أبداً أن أمريكا ستفعل ذلك؛ لأنها معروفة بحرصها الدائم على حماية مصالحها وحلفائها. كما لا يمكن التصديق بأن تنفق أمريكا نحو 800 مليون دولار على قنصلية ما، ثم تتركها للميليشيات وتسمح لهم بتسويتها بالأرض بعد تسعة أشهر فقط من افتتاحها. وبناءً على ذلك، فإن بقاء القنصلية الأمريكية يعني بالضرورة بقاء منظومات الدفاع الجوي في أربيل.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

إن انسحاب القوات الأمريكية لا يعني انسحاباً كاملاً للولايات المتحدة من العراق؛ فحتى لو سحبت أمريكا قواتها من العراق وإقليم كردستان، فإن وجودها الدبلوماسي وقنصلياتها في بغداد وأربيل سيظل قائماً، وبقاء هذه البعثات يقتضي بقاء منظومات الدفاع الجوي وحمايتها بكافة الوسائل الممكنة.

على طريق أربيل – بيرمام، يمتد هذا الصرح الذي يُعرف بمشروع (NCC) على مساحة شاسعة بلغت 51 فداناً (أكثر من 206 آلاف متر مربع). وبتكلفة ناهزت 796 مليون دولار، لم تشيد واشنطن مجرد مكاتب، بل بنت مجمعاً متكاملاً يضم موظفين من سبع وزارات ووكالات أمريكية مختلفة. هذا المشروع، الذي وصفه رئيس حكومة الإقليم مسرور البارزاني بأنه صخرة صلبة كالجبل، يعكس بوضوح أن الولايات المتحدة لا تبني مقار مؤقتة، بل تؤسس لوجود طويل الأمد يتجاوز المهام القنصلية التقليدية ليشمل إدارة ملفات سياسية، أمنية، واقتصادية حساسة.

إن افتتاح هذا المجمع بحضور قادة إقليم كردستان وكبار الدبلوماسيين الأمريكيين حمل في طياته رسائل مزدوجة. داخلياً، أكدت واشنطن أن إقليم كردستان يمثل الشريك الأمني والعمود الفقري للعلاقات الأمريكية العراقية. وخارجياً، كانت الرسالة واضحة لكل القوى الإقليمية، وخاصة إيران، بأن الولايات المتحدة ملتزمة بحماية سيادة العراق ودعم استقرار الإقليم، وأن وجودها هنا هو خيار استراتيجي لا رجعة فيه.

لقد لخص رئيس الإقليم نيجيرفان البارزاني المشهد بوصفه الافتتاح رسالة سياسية واضحة، تعمق شراكة تاريخية بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ فرض منطقة حظر الطيران عام 1991. واليوم، يتطور هذا الدور ليصبح الإقليم جسراً للتواصل الاقتصادي والتكنولوجي، وليس مجرد ساحة للصراعات العسكرية.

على الجانب الآخر من المشهد، تبرز تساؤلات حول قاعدة (حرير) ومنظومات (باتريوت). وهنا يجب التفريق بين الانسحاب وبين إعادة الترتيب. فالمعلومات تشير إلى أن سحب بعض المنظومات الدفاعية أو الأصول العسكرية يأتي ضمن اتفاقات مسبقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد لإعادة هيكلة وجود التحالف الدولي بحلول أيلول/ سبتمبر 2026.

ومع ذلك، فإن هذا التحرك العسكري لا يعني الفراغ؛ فوجود القنصلية الأكبر عالمياً في أربيل يتطلب بالضرورة ترتيبات أمنية فائقة الحداثة. وكما أشار مراقبون، فإن الولايات المتحدة لم تسحب كافة دفاعاتها، بل أبقت على ما يؤمن مصالحها الحيوية ومواطنيها. إن التحول من القواعد العسكرية إلى المجمعات الدبلوماسية المحصنة هو انتقال إلى مرحلة جديدة من الإدارة الأمريكية للملفات الإقليمية، حيث تصبح القنصلية منصة لإدارة الأزمات ودعم الاستقرار من خلال التنمية والتجارة، مدعومة بقوة ردع تقنية متطورة.

لا يخلو هذا الوجود الضخم من تحديات، فإقليم كردستان كان ولا يزال هدفاً لهجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، حيث سجل شهر يوليو 2025 وحده عشرات الخروقات. هذا الضغط العسكري الإقليمي هو المحفز الأساسي الذي جعل من القنصلية الجديدة حصناً تقنياً وأمنياً. فواشنطن تراهن اليوم على السلام من خلال القوة، وعلى تمكين قوات البيشمركة والقوات العراقية بأنظمة مضادة للدرونات لضمان استمرارية هذا الوجود الدبلوماسي الضخم.

إن افتتاح القنصلية الأمريكية في أربيل عام 2025 هو إعلان عن عصر جديد في العلاقات الدولية بالمنطقة. إنه يؤكد أن الولايات المتحدة، رغم مراجعتها لتموضعها العسكري في الشرق الأوسط، لن تتخلى عن حلفائها الاستراتيجيين. لقد تحولت أربيل من مدينة احتمت بالدعم الدولي في التسعينيات إلى مركز ثقل دبلوماسي عالمي، يستضيف أكبر تمثيل للولايات المتحدة في الخارج، مما يجعل منها رقماً صعباً في معادلة الاستقرار الإقليمي لسنوات طويلة قادمة.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top