من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 6

تكبير الصورة

د. محمود عباس

ولكن أين أصبحت إيران اليوم

والعملة تختصر جانبًا آخر من المأساة.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

ففي بدايات الثورة كان الدولار يعادل بضعة تومانات، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف نظام الصرف آنذاك جذريًا عن السوق الحالية. أما اليوم فقد تجاوز الدولار في السوق الحرة 180 ألف تومان. والرقم، مهما اختلفنا في طريقة المقارنة التاريخية، يكشف مقدار التآكل الذي أصاب قيمة العملة خلال أقل من نصف قرن.

لكن انهيار العملة ليس قصة مالية مجردة. فعندما ينهار التومان لا يخسر البنك المركزي وحده؛ يخسر الموظف الذي ادخر راتبه، والعامل الذي ينتظر نهاية الشهر، والمتقاعد الذي يعيش على دخل ثابت، والأسرة التي تجمع المال لشراء منزل، والشاب الذي يريد الزواج، والمريض الذي يحتاج إلى دواء مستورد.

إنها عملية إفقار صامتة.

الراتب يبقى الرقم نفسه، لكن ما يستطيع شراءه يتناقص. والمدخرات تبقى في الحساب، لكن قيمتها الحقيقية تتبخر. والأسرة التي كانت تنتمي إلى الطبقة الوسطى قد تستيقظ بعد سنوات قليلة لتكتشف أنها أصبحت أقرب إلى الطبقات الفقيرة من دون أن يتغير عمل أفرادها أو تعليمهم.

ويزيد التضخم هذه العملية قسوة. فالتقديرات لعام 2026 تضع التضخم عند مستويات تقارب 70% في المتوسط، في حين سجلت بعض مؤشرات الأسعار السنوية مستويات أعلى من ذلك. عند هذه النسب لا تعود المسألة ارتفاعًا عاديًا للأسعار، بل تصبح تآكلًا سريعًا في قيمة العمل والدخل نفسه.

وفي الغذاء تتحول الأرقام إلى حياة يومية. ارتفعت أسعار الطحين والأرز والمواد الأساسية خلال 2025 و2026 بمستويات استثنائية، ووصلت الزيادة في بعض السلع إلى أضعاف أسعارها خلال فترات قصيرة.

وهنا تدخل السياسة الخارجية إلى مطبخ المواطن.

فالحرب لا تبقى على الجبهة، والعقوبات لا تبقى في بيانات وزارة الخزانة، وانخفاض العملة لا يبقى في شاشات المصارف؛ كلها تتحول في النهاية إلى سعر الخبز والأرز واللحم والحليب والدواء.

أما البطالة، فالرقم الرسمي وحده لا يكشف حقيقة سوق العمل. فالتقديرات تضعها قرب 9%، وهي بالتأكيد ليست 30 أو 35% كما يقال أحيانًا، لكن المشكلة الأعمق تكمن في نسبة السكان المشاركين أصلًا في النشاط الاقتصادي. فمشاركة الرجال في سوق العمل تقارب 67%، بينما تدور مشاركة النساء حول 14% فقط.

وبذلك لا تظهر ملايين النساء في إحصاء البطالة أصلًا، لأنهن خارج قوة العمل.

وهنا تخسر إيران ثروة ربما تتجاوز في أهميتها النفط نفسه. فالدولة التي تضم أعدادًا ضخمة من النساء المتعلمات والجامعيات والطبيبات والمهندسات والباحثات لا تستطيع أن تحقق طاقتها الاقتصادية الكاملة إذا ظل جزء هائل من هذه القوة البشرية خارج سوق الإنتاج.

أي إن الإهدار لا يحدث تحت الأرض فقط، بل داخل الجامعات والمنازل أيضًا.

وفي الزراعة جاءت الحرب فوق أزمة أكثر عمقًا: الماء. فالزراعة المروية تستهلك قرابة 90% من المياه المسحوبة في بلد جاف، فيما تتراجع المياه الجوفية وتتدهور بعض الأراضي وتتصاعد آثار الجفاف وسوء إدارة الموارد. وفي 2025 انخفض إنتاج الحبوب إلى نحو عشرين مليون طن، أي قرابة 10% دون متوسط السنوات الخمس السابقة، بينما بلغ إنتاج القمح نحو 12.5 مليون طن.

وحين تحسنت الأمطار في 2026 تحسنت توقعات الإنتاج، لكن أزمة الغذاء لم تنتهِ، لأن المشكلة لم تعد كمية المحصول وحدها. فقد تنتج إيران القمح، لكن المواطن يعجز عن شرائه إذا كانت كلفة النقل والأسمدة والطاقة ترتفع، والتومان ينهار، والأسعار تسبق الأجور.

وهذه واحدة من أخطر صور الفقر الحديث: أن تكون السلعة موجودة، لكن دخل الإنسان لا يستطيع الوصول إليها.

كما أن تحويل «الاكتفاء الذاتي» إلى شعار سياسي دفع أحيانًا إلى توسيع الزراعة في مناطق لا تتحمل مواردها المائية ذلك، فجرى استنزاف المياه الجوفية لتعويض جزء من عزلة اقتصادية كان جانب منها نتيجة خيارات السياسة الخارجية ذاتها.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

3/8/2026 م


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top